تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 661

مساهمون:

ص٦٦١
اعلم أنه تعالى لما بيّن كيفية إهلاك فرعون وقومه بيّن كيفية إحسانه إلى موسى وقومه . واعلم أن دفع الضرر مقدم على إيصال النفع فبدأ تعالى ببيان دفع الضرر عنهم فقال :
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ
يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والإتعاب في الأعمال الشاقة . ثم قال :
مِنْ فِرْعَوْنَ
وفيه وجهان : الأول : أن يكون التقدير من العذاب المهين الصادر من فرعون الثاني : أن يكون فرعون بدلا من العذاب المهين كأنه في نفسه كان عذابا مهينا لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم . قال صاحب « الكشاف » : وقرئ من عذاب المهين وعلى هذه القراءة ( فالمهين ) هو فرعون لأنه كان عظيم السعي في إهانة المحقين . وفي قراءة ابن عباس
مِنْ فِرْعَوْنَ
وهو بمعنى الاستفهام وقوله
إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ
جوابه كأن التقدير أن يقال هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته ؟ ثم عرف حاله بقوله
إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ
أي كان عالي الدرجة في طبقة المسرفين ، ويجوز أن يكون المراد
إِنَّهُ كانَ عالِياً
لقوله
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ
[ القصص : 4 ] وكان أيضا مسرفا ومن إسرافه أنه على حقارته وخسته ادعى الإلهية . ولما بيّن اللّه تعالى أنه كيف دفع الضرر عن بني إسرائيل وبيّن أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال :
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ
وفيه بحثان : البحث الأول : أن قوله
عَلى عِلْمٍ
في موضع الحال ثم فيه وجهان : أحدهما : أي عالمين بكونهم مستحقين لأن يختاروا ويرجحوا على غيرهم والثاني : أن يكون المعنى مع علمنا بأنهم قد يزيغون ويصدر عنهم الفرطات في بعض الأحوال . البحث الثاني : ظاهر قوله
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ
يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين فقيل المراد على عالمي زمانهم ، وقيل هذا عام دخله التخصيص كقوله
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
[ آل عمران : 110 ] . ثم قال تعالى :
وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ
مثل فلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، وغيرها من الآيات القاهرة التي ما أظهر اللّه مثلها على أحد سواهم
بَلؤُا مُبِينٌ
أي نعمة ظاهرة ، لأنه تعالى لما كان يبلو بالمحنة فقد يبلو أيضا بالنعمة اختبارا ظاهرا ليتميز الصديق عن الزنديق ، وهاهنا آخر الكلام في قصة موسى عليه السلام ثم رجع إلى ذكر كفار مكة ، وذلك لأن الكلام فيهم حيث قال :
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ
أي بل
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 661 | فخر الدين الرازي