تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 650

مساهمون:

ص٦٥٠
أنه أقوى مما سبق ، وهو أن يكون النصب والجر على إضمار حرف القسم وحذفه والرفع على قولهم أيمن اللّه وأمانة اللّه ويمين اللّه ، يكون قوله
إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ
جواب القسم كأنه قيل وأقسم بقيله يا رب أو وقيله يا رب قسمي ، وأقول هذا الذي ذكره صاحب « الكشاف » : متكلف أيضا وهاهنا إضمار امتلأ القرآن منه وهو إضمار اذكر ، والتقدير واذكر قيله يا رب ، وأما القراءة بالجر ، فالتقدير واذكر وقت قيله يا رب ، وإذا وجب التزام الإضمار فلأن يضمر شيئا جرت العادة في القرآن بالتزام إضمار أولى من غيره ، وعن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله
وَقِيلِهِ يا رَبِّ
المراد وقيل يا رب والهاء زيادة . البحث الثاني : القيل مصدر كالقول ، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « نهى عن قيل وقال » قال الليث تقول العرب كثر فيه القيل والقال ، وروى شمر عن أبي زيد يقال ما أحسن قيلك وقولك وقالك ومقالتك خمسة أوجه . البحث الثالث : الضمير في قيله لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . البحث الرابع : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لما ضجر منهم وعرف إصرارهم أخبر عنهم أنهم قوم لا يؤمنون وهو قريب مما حكى اللّه عن نوح أنه قال :
رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً
[ نوح : 21 ] . ثم إنه تعالى قال له :
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ
فأمره بأن يصفح عنهم وفي ضمنه منعه من أن يدعو عليهم بالعذاب ، والصفح هو الإعراض . ثم قال :
وَقُلْ سَلامٌ
قال سيبويه إنما معناه المتاركة ، ونظيره قول إبراهيم لأبيه
سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي
[ مريم : 47 ] وكقوله
سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ
[ القصص : 55 ] . قوله فسوف تعلمون والمقصود منه التهديد . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر تعلمون بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء كناية عن قوم لا يؤمنون . المسألة الثانية : احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر ، وأقول إن صح هذا الاستدلال فهذا يوجب الاقتصار على مجرد قوله سلام وأن يقال للمؤمن سلام عليكم . والمقصود التنبيه على التحية التي تذكر للمسلم والكافر . المسألة الثالثة : قال ابن عباس قوله تعالى :
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ
منسوخ بآية السيف ، وعندي أن التزام النسخ في أمثال هذه المواضع مشكل ، لأن الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة فإذا أتى به مرة واحدة فقد سقطت دلالة اللفظ ، فأي حاجة فيه إلى التزام النسخ ، وأيضا فمثله يمين الفور مشهورة عند الفقهاء وهي دالة على أن اللفظ قد يتقيد بحسب قرينة العرف ، وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة فيه إلى التزام النسخ واللّه أعلم بالصواب . قال مولانا المؤلف عليه سحائب الرحمة والرضوان : تمّ تفسير هذه السورة يوم الأحد الحادي عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمد للّه أولا وآخرا وباطنا وظاهرا ، والصلاة على ملائكته المقربين والأنبياء والمرسلين خصوصا على محمد صلى اللّه عليه وسلّم وآله وصحبه أجمعين أبد الآبدين ودهر الداهرين .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 650 | فخر الدين الرازي