تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
الصوت ، إلا أن الإشكال في أن الحاجة إلى إظهار المعجزة في كل مرة لم يقل به أحد . المسألة السابعة : دلّت المناظرات المذكورة في القرآن بين اللّه تعالى وبين إبليس على أنه تعالى كان يتكلم مع إبليس من غير واسطة ، فذلك هل يسمى وحيا من اللّه تعالى إلى إبليس أم لا ، الأظهر منعه ، ولا بد في هذا الموضع من بحث غامض كامل . المسألة الثامنة : قرأ نافع
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
برفع اللام ، فيوحي بسكون الياء ومحله رفع على تقدير ، وهو يرسل فيوحي ، والباقون بالنصب على تأويل المصدر ، كأنه قيل ما كان لبشر / أن يكلمه اللّه إلا وحيا أو إسماعا لكلامه من وراء حجاب أو يرسل ، لكن فيه إشكال لأن قوله وحيا أو إسماعا اسم وقوله
أَوْ يُرْسِلَ
فعل ، وعطف الفعل على الاسم قبيح ، فأجيب عنه بأن التقدير : وما كان لبشر أن يكلمه إلا أن يوحي إليه وحيا أو يسمع إسماعا من وراء حجاب أو يرسل رسولا . المسألة التاسعة : الصحيح عند أهل الحق أن عندما يبلغ الملك الوحي إلى الرسول ، لا يقدر الشيطان على إلقاء الباطل في أثناء ذلك الوحي ، وقال بعضهم : يجوز ذلك لقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
[ الحج : 52 ] وقالوا الشيطان ألقى في أثناء سورة النجم ، تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ، وكان صديقنا الملك سام بن محمد رحمه اللّه ، وكان أفضل من لقيته من أرباب السلطنة يقول هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة ، باطل من وجهين آخرين الأول : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « من رآني في المنام فقد رآني ، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي » فإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول ، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي اللّه تعالى ؟ والثاني : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « ما سلك عمر فجا إلا وسلك الشيطان فجا آخر » فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد ، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في موقف تبليغ وحي اللّه تعالى ؟ . المسألة العاشرة : قوله تعالى :
فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
يعني فيوحي ذلك الملك بإذن اللّه ما يشاء اللّه ، وهذا يقتضي أن الحسن لا يحسن لوجه عائد عليه ، وأن القبيح لا يقبح لوجه عائد إليه ، بل للّه أن يأمر بما يشاء من غير تخصيص ، وأن ينهى عما يشاء من غير تخصيص ، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما صح قوله
ما يَشاءُ
واللّه أعلم . ثم قال تعالى في آخر الآية
إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
يعني أنه علي عن صفات المخلوقين حكيم يجري أفعاله على موجب الحكمة ، فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل الإلهام ، وأخرى بإسماع الكلام ، وثالثا بتوسيط الملائكة الكرام ، ولما بين اللّه تعالى كيفية أقسام الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام ، قال :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
والمراد به القرآن وسماه روحا ، لأنه يفيد الحياة من موت الجهل أو الكفر . ثم قال تعالى :
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ
واختلف العلماء في هذه الآية مع الإجماع على أنه لا يجوز أن يقال الرسل كانوا قبل الوحي على الكفر ، وذكروا في الجواب وجوها الأول :
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ
أي القرآن
وَلَا الْإِيمانُ
أي الصلاة ، لقوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
[ البقرة : 143 ] أي صلاتكم الثاني : أن يحمل هذا على حذف المضاف ، أي ما كنت تدري ما الكتاب ومن أهل الإيمان ، يعني
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 614 | فخر الدين الرازي