تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 613

مساهمون:

ص٦١٣
الذي بلغه إلى الرسول البشري حادث ومثل الحادث حادث ، وجب أن يقال إن الكلام الذي سمعه من اللّه حادث الرابع : أن قوله
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ
يقتضي كون الوحي حاصلا بعد الإرسال ، وما كان حصوله متأخرا عن حصول غيره كان حادثا والجواب : أنا نصرف جملة هذه الوجوه التي ذكرتموها إلى الحروف والأصوات ونعترف بأنها حادثة كائنة بعد أن لم تكن وبديهة العقل شاهدة بأن الأمر كذلك ، فأي حاجة إلى إثبات هذا المطلوب الذي علمت صحته ببديهة العقل وبظواهر القرآن ؟ واللّه أعلم . المسألة السادسة : ثبت أن الوحي من اللّه تعالى ، إما أن لا يكون بواسطة شخص آخر ، ويمتنع أن يكون كل وحي حاصلا بواسطة شخص آخر ، وإلا لزم إما التسلسل وإما الدور ، وهما محالان ، فلا بد من الاعتراف بحصول وحي يحصل لا بواسطة شخص آخر ، ثم هاهنا أبحاث : البحث الأول : أن الشخص الأول الذي سمع وحي اللّه لا بواسطة شخص آخر كيف / يعرف أن الكلام الذي سمعه كلام اللّه ، فإن قلنا إنه سمع تلك الصفة القديمة المنزهة عن كونها حرفا وصوتا ، لم يبعد أنه إذا سمعها علم بالضرورة كونها كلام اللّه تعالى ، ولم يبعد أن يقال إنه يحتاج بعد ذلك إلى دليل زائد ، أما إن قلنا إن المسموع هو الحرف والصوت امتنع أن يقطع بكونه كلاما للّه تعالى ، إلا إذا ظهرت دلالة على أن ذلك المسموع هو كلام اللّه تعالى . البحث الثاني : أن الرسول إذا سمعه من الملك كيف يعرف أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان مضل ؟ والحق أنه لا يمكنه القطع بذلك إلا بناء على معجزة تدل على أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان خبيث ، وعلى هذا التقدير ، فالوحي من اللّه تعالى لا يتم إلا بثلاث مراتب في ظهور المعجزات : المرتبة الأولى : أن الملك إذا سمع ذلك الكلام من اللّه تعالى ، فلا بد له من معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام اللّه تعالى . المرتبة الثانية : أن ذلك الملك إذا وصل إلى الرسول ، لا بد له أيضا من معجزة . المرتبة الثالثة : أن ذلك الرسول إذا أوصله إلى الأمة ، فلا بد له أيضا من معجزة ، فثبت أن التكليف لا يتوجه على الخلق إلا بعد وقوع ثلاث مراتب في المعجزات . البحث الثالث : أنه لا شك أن ملكا من الملائكة قد سمع الوحي من اللّه تعالى ابتداء ، فذلك الملك هو جبريل ، ويقال لعل جبريل سمعه من ملك آخر ، فالكل محتمل ولو بألف واسطة ، ولو يوجد ما يدل على القطع بواحد من هذه الوجوه . البحث الرابع : هل في البشر من سمع وحي اللّه تعالى من غير واسطة ؟ المشهور أن موسى عليه السلام سمع كلام اللّه من غير واسطة ، بدليل قوله تعالى :
فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى
[ طه : 13 ] وقيل إن محمدا صلى اللّه عليه وسلّم سمعه أيضا لقوله تعالى :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[ النجم : 10 ] . البحث الخامس : أن الملائكة يقدرون على أن يظهروا أنفسهم على أشكال مختلفة ، فبتقدير أن يراه الرسول صلى اللّه عليه وسلّم في كل مرة وجب أن يحتاج إلى المعجزة ، ليعرف أن هذا الذي رآه في هذه المرة عين ما رآه في المرة الأولى ، وإن كان لا يرى شخصه كانت الحاجة إلى المعجزة أقوى ، لاحتمال أنه حصل الاشتباه في