تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
بهذه الصفة من هم ؟ فقال الأكثرون هم اليهود والنصارى ، والدليل قوله تعالى في آل عمران
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
[ آل عمران : 19 ] وقال في سورة لم يكن
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ
[ البينة : 4 ] ولأن قوله
إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
لائق بأهل الكتاب ، وقال آخرون : إنهم هم العرب ، وهذا باطل للوجوه المذكورة ، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ
لا يليق بالعرب ، لأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ، هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ
من كتابهم
مُرِيبٍ
لا يؤمنون به حق الإيمان . ثم قال تعالى :
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
يعني فلأجل ذلك التفرق ولأجل ما حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين ، فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية واستقم عليها وعلى الدعوة إليها ، كما أمرك اللّه ، ولا تتبع أهواءهم المختلفة الباطلة
وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ
أي بأي كتاب صح أن اللّه أنزله ، يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة ، لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض ، ونظيره قوله
نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
إلى قوله
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
[ النساء : 151 ] ثم قال :
وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ
أي في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي ، قال القفال : معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي وأنفسكم بأن آمركم بما لا أعمله ، أو أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه ، لكني أسوي بينكم وبين نفسي ، وكذلك أسوي بين أكابركم وأصاغركم فيما يتعلق بحكم اللّه . ثم قال :
اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
والمعنى أن إله الكل واحد ، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه ، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه ، فإن اللّه يجمع بين الكل في يوم القيامة ويجازيه على عمله ، والمقصود منه المتاركة واشتغال كل أحد بمهم نفسه ، فإن قيل كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء ؟ قلنا هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ، ودخل فيه التوحيد ، وترك عبادة الأصنام ، والإقرار بنبوّة الأنبياء ، وبصحة البعث والقيامة ، فلما لم يقبلوا هذا الدين ، فحينئذ فات الشرط ، فلا جرم فات المشروط . واعلم أنه ليس المراد من قوله
لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ
تحريم ما يجري مجرى محاجتهم ، ويدل عليه وجوه الأول : أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجة ، فلو كان المقصود من هذه الآية تحريم المحاجة ، لزم كونها محرمة لنفسها وهو متناقض والثاني : أنه لولا الأدلة لما توجه التكليف الثالث : أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه ، بل المرد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وإنما تركوا تصديقه بغيا وعنادا ، فبين تعالى أنه قد حصل الاستغناء عن محاجتهم لأنهم عرفوا بالحجة صدقه فلا حاجة معهم إلى المحاجة البتة ، ومما يقوي قولنا : أنه لا يجوز تحريم المحاجة ، قوله
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] وقوله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ
[ النحل : 125 ] وقوله
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ العنكبوت : 46 ] وقوله
يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا
[ هود : 32 ] وقوله
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ
[ الأنعام : 83 ] . ثم قال تعالى :
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ
أي يخاصمون في دينه
مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ
أي من بعد ما