تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 587

مساهمون:

ص٥٨٧
اعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى محمد صلى اللّه عليه وسلّم بقوله
كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ الشورى : 3 ] ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
والمعنى شرع اللّه لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحا ومحمدا وإبراهيم وموسى وعيسى ، هذا هو المقصود من لفظ الآية ، وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة ، إلا أنه بقي في لفظ الآية إشكالات أحدها : أنه قال في أول الآية
ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
وفي آخرها
وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ
وفي الوسط
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
فما الفائدة في هذا التفاوت ؟ ( وثانيها ) : أنه ذكر نوحا عليه السلام على سبيل الغيبة فقال :
ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
والقسمين الباقيين على سبيل التكلم فقال :
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ
وثالثها : أنه يصير تقدير الآية : شرع اللّه لكم من الدين الذي أوحينا إليك فقوله
شَرَعَ لَكُمْ
خطاب الغيبة وقوله
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
خطاب الحضور ، فهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد ، وهو مشكل ، فهذه المضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها ، وبالجملة فالمقصود من الآية أنه يقال شرع لكم من الدين دينا تطابقت الأنبياء على صحته ، وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئا مغايرا للتكاليف والأحكام ، وذلك لأنها مختلفة متفاوتة قال تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة : 48 ] فيجب أن يكون المراد منه الأمور التي لا تختلف باختلاف الشرائع ، وهي الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والسعي في مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال ، ويجوز عندي أن يكون المراد من قوله
وَلا تَتَفَرَّقُوا
أي لا تتفرقوا بالآلهة الكثيرة ، كما قال يوسف عليه السلام :
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
[ يوسف : 39 ] وقال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
[ الأنبياء : 25 ] واحتج بعضهم بقوله
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
على أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم في أول الأمر كان مبعوثا بشريعة نوح عليه السلام ، والجواب ما ذكرناه أنه عطف عليه سائر الأنبياء وذلك يدل على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين الكل ، ومحل
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ
إما نصب بدل من مفعول
شَرَعَ
والمعطوفين عليه ، وإما رفع على الاستئناف كأنه قيل ما ذاك المشروع ؟ فقيل هو إقامة الدين
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ
عظم عليهم وشق عليهم
ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
من إقامة دين اللّه تعالى على سبيل الاتفاق والإجماع ، بدليل أن الكفار قالوا
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
[ ص : 5 ] وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : احتج نفاة القياس بهذه الآية قالوا إنه تعالى أخبر أن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والتنازع ، واللّه تعالى ذكر في معرض المنّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة ومعلوم أن فتح باب القياس يفضي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة ، فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على / الأخذ بالقياس تفرقوا تفرقا لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى آخر القيامة ، فوجب أن يكون ذلك محرما ممنوعا عنه . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن هذه الشرائع قسمين منها ما يمتنع دخول النسخ والتغيير فيه ، بل