تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
محذوف ، والجر على تقدير أن يكون الكلام هكذا وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى اللّه فاطر السماوات والأرض وقوله
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي
اعتراض وقع بين الصفة والموصوف ،
جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
من جنسكم من الناس
أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً
أي خلق من الأنعام أزواجا ، ومعناه وخلق أيضا للأنعام من أنفسها أزواجا
يَذْرَؤُكُمْ
أي يكثركم ، يقال : ذرأ اللّه الخلق ، أي كثرهم ، وقوله
فِيهِ
أي في هذا التدبير ، وهو التزويج وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل ، والضمير في
يَذْرَؤُكُمْ
يرجع إلى المخاطبين ، إلى أنه غلب فيه جانب الناس من وجهين الأول : أنه غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء الثاني : أنه غلب فيه جانب المخاطبين على الغائبين ، فإن قيل ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير ، ولم لم يقل يذرؤكم به ؟ قلنا جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن لهذا التكثير ، ألا ترى أنه يقال للحيوان في خلق الأزواج تكثير ، كما قال تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[ البقرة : 179 ] . ثم قال تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
وهذه الآية فيها مسائل : المسألة الأولى : احتج علماء التوحيد قديما وحديثا بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأعضاء والأجزاء وحاصلا في المكان والجهة ، وقالوا لو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، فيلزم حصول الأمثال والأشباه له ، وذلك باطل بصريح قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
ويمكن إيراد هذه الحجة على وجه آخر ، فيقال إما أن يكون المراد
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
في ماهيات الذات ، أو أن يكون المراد ليس كمثله في الصفات شيء ، والثاني باطل ، لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين ، كما أن اللّه تعالى يوصف بذلك ، وكذلك يوصفون بكونهم معلومين مذكورين ، مع أن اللّه تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بالمماثلة المساواة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي اللّه تعالى في الذاتية ، فلو كان اللّه تعالى جسما ، لكان كونه جسما ذاتا لا صفة ، فإذا كان سائر الأجسام مساوية له في الجسمية ، أعني في كونها متحيزة طويلة عريضة عميقة ، فحينئذ تكون سائر الأجسام مماثلة لذات اللّه تعالى في كونه ذاتا ، والنص ينفي ذلك فوجب أن لا يكون جسما . واعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه « بالتوحيد » ، وهو في الحقيقة كتاب الشرك ، واعترض عليها ، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات ، لأنه كان رجلا مضطرب الكلام ، قليل الفهم ، ناقص العقل ، فقال : « نحن نثبت للّه وجها ونقول : إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء ، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ، ووجه ربنا منفي عنه الهلاك والفناء ، ونقول إن لبني آدم وجوها كتب اللّه عليها الهلاك والفناء ، ونفى عنها الجلال والإكرام ، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء ، ولو كان مجرد إثبات الوجه للّه يقتضي التشبيه لكان من قال إن لبني آدم وجوها وللخنازير والقردة والكلاب وجوها ، لكان قد شبّه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب . ثم قال : ولا شك أنه اعتقاد الجهمية لأنه لو قيل له : وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب ولشافهه بالسوء ، فعلمنا أنه لا يلزم من إثبات الوجه واليدين للّه إثبات التشبيه بين اللّه وبين خلقه » . وذكر في فصل آخر من هذا الكتاب « أن القرآن دل على وقوع التسوية بين ذات اللّه تعالى وبين خلقه في صفات كثيرة ، ولم يلزم منها أن يكون القائل مشبها فكذا هاهنا » . ونحن نعد الصور التي ذكرها على الاستقصاء