أنه تعالى هو الذي أدخلهم في الإيمان والطاعة ، وقوله
وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
يعني أنه تعالى ما أدخلهم في رحمته ، وهذا يدل على أن الأولين إنما دخلوا في رحمته ، لأنه كان لهم ولي ونصير أدخلهم في تلك الرحمة ، وهؤلاء ما كان لهم ولي ولا نصير يدخلهم في رحمته .
ثم قال تعالى :
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ
والمعنى أنه تعالى حكى عنهم أولا أنهم اتخذوا من دونه أولياء ، ثم قال بعده لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم لست عليهم رقيبا ولا حافظا ، ولا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان شاءوا أم أبوا ، فإن هذا المعنى لو كان واجبا لفعله اللّه ، لأنه أقدر منك ، ثم إنه تعالى أعاد بعده ذلك الكلام على سبيل الاستنكار ، فإن قوله
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ
استفهام على سبيل الإنكار .
ثم قال تعالى :
فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ
والفاء في قوله
فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ
جواب شرط مقدر ، كأنه قال : إن أرادوا أولياء بحق فاللّه هو الولي بالحق لا ولي سواه ، لأنه يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ، فهو الحقيق بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شيء .
ثم قال :
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أن يحمل الكفار على الإيمان قهرا ، فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخصومات والمنازعات فقال :
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ
وهو إثابة المحقين فيه ومعاقبة المبطلين ، وقيل وما اختلفتم فيه من شيء وتنازعتهم فتحاكموا فيه إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، ولا تؤثر حكومة غيره على حكومته ، وقيل وما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا تصل بتكليفكم ، ولا طريق لكم إلى علمه كحقيقة الروح ، فقولوا اللّه أعلم به ، قال تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] .
المسألة الثانية : تقدير الآية كأنه قال : قل يا محمد
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ
والدليل عليه قوله تعالى :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
.
المسألة الثالثة : احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا قوله تعالى :
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ
إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص اللّه عليه ، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على ما نص اللّه عليه ، والثاني باطل لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثبتة بالقياس بأنه باطل فيعتبر الأول ، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالنص وذلك ينفي العمل بالقياس ، ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يكون المراد فحكمه يعرف من بيان اللّه تعالى ، سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس ؟ أجيب عنه بأن المقصود من التحاكم إلى اللّه قطع الاختلاف ، والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه ، فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نصوص اللّه تعالى .
ثم قال تعالى :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي
أي ذلكم الحاكم بينكم هو ربي
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
في دفع كيد الأعداء وفي طلب كل خير
وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
أي وإليه أرجع في كل المهمات ، وقوله
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
يفيد الحصر ، أي لا أتوكل إلا عليه ، وهو إشارة إلى تزييف طريقة من اتخذ غير اللّه وليا .
ثم قال :
فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
قرئ بالرفع والجر ، فالرفع على أنه خبر ذلكم ، أو خبر مبتدأ