تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة ، يدل على النفخة قوله تعالى :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
[ يس : 51 ] ويحتمل أن يقال إن كانت الواقعة ، وقرئت الصيحة مرفوعة على أن كان هي التامة ، بمعنى ما وقعت إلا صيحة ، وقال الزمخشري : لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال : إن كان ، لأن المعنى حينئذ ما وقع شيء إلا صيحة ، لكن التأنيث جائز إحالة على الظاهر ، ويمكن أن يقول الذي قرأ بالرفع أن قوله :
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ
[ الواقعة : 1 ] تأنيث تهويل ومبالغة ، يدل عليه قوله :
لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ
[ الواقعة : 2 ] فإنها للمبالغة فكذلك هاهنا قال :
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً
مؤنثة تأنيث تهويل ، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة والقارعة والحاقة والطامة والصاخة إلى غيرها ، والزمخشري يقول كاذبة بمعنى ليس لوقعتها نفس كاذبة ، وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة ، وقوله :
مُحْضَرُونَ
دل على أن كونهم
يَنْسِلُونَ
[ يس : 51 ] إجباري لا اختياري . ثم بين ما يكون في ذلك اليوم بقوله تعالى :

[ سورة يس ( 36 ) : آية 54 ]

فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 54 ) فقوله :
لا تُظْلَمُ نَفْسٌ
ليأمن المؤمن
وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
لييأس المجرم الكافر وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم بقوله :
وَلا تُجْزَوْنَ
وترك الخطاب في الإشارة إلى أمان المؤمن من العذاب بقوله :
لا تُظْلَمُ
ولم يقل ولا تظلمون أيها المؤمنون ؟ نقول لأن قوله :
لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
يفيد العموم وهو كذلك فإنها لا تظلم أبدا
وَلا تُجْزَوْنَ
مختص بالكافر ، فإن اللّه يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن اللّه فضلا مختصا بالمؤمن وعدلا عاما ، وفيه بشارة . المسألة الثانية : ما المقتضى لذكر فاء التعقيب ؟ نقول لما قال :
مُحْضَرُونَ
[ يس : 53 ] مجموعون والجمع للفصل والحساب ، فكأنه تعالى قال إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للفصل بالعدل ، فلا ظلم عند الجمع للعدل ، فصار عدم الظلم مترتبا على الإحضار للعدل ، ولهذا يقول القائل للوالي أو للقاضي : جلست للعدل فلا تظلم ، أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه . المسألة الثالثة : لا يجزون عين ما كانوا يعملون ، بل يجزون بما كانوا أو على ما كانوا وقوله :
وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
يدل على أن الجزاء بعين العمل ، لا يقال جزى يتعدى بنفسه وبالباء ، يقال جزيته خيرا وجزيته بخير ، لأن ذلك ليس من هذا لأنك إذا قلت جزيته بخير لا يكون الخير مفعولك ، بل تكون الباء للمقابلة والسببية كأنك تقول جزيته جزاء بسبب ما فعل ، فنقول الجواب عنه من وجهين : أحدهما : أن يكون ذلك إشارة على وجه المبالغة إلى عدم الزيادة وذلك لأن الشيء لا يزيد على عينه ، فنقول قوله تعالى : تجزون بما كانوا يعملون في المساواة كأنه عين ما عملوا يقال فلان يجاوبني حرفا بحرف أي لا يترك شيئا ، وهذا يوجب اليأس العظيم الثاني : هو أن ما غير راجع إلى الخصوص ، وإنما هي للجنس تقديره ولا تجزون إلا جنس العمل أي إن كان حسنة فحسنة ، وإن كانت سيئة فسيئة فتجزون ما تعملون من السيئة والحسنة ، وهذا كقوله تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] .