المسألة الأولى : لو قال قائل : لو قال اللّه تعالى فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون : يا ويلنا كان أليق ، نقول معاذ اللّه ، وذلك لأن قوله :
فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
[ يس : 51 ] على ما ذكرنا إشارة إلى أنه تعالى في أسرع زمان يجمع أجزاءهم ويؤلفها ويحييها ويحركها ، بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ ، مع أن ذلك لا بد له من الجمع والتأليف ، فلو قال يقولون ، لكان ذلك مثل الحال لينسلون ، أي ينسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك ، فإن قولهم يا ويلنا قبل أن ينسلوا ، وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفوائد .
المسألة الثانية : لو قال قائل : قد عرفنا معنى النداء في مثل يا حسرة ويا حسرتا ويا ويلنا ، ولكن ما الفرق بين قولهم وقول اللّه حيث قال :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
[ يس : 30 ] من غير إضافة ، وقالوا : يا حسرتا ويا حسرتنا ويا ويلنا ؟ نقول حيث كان القائل هو المكلف لم يكن لأحد علم إلا بحاله أو بحال من قرب منه ، فكان كل واحد مشغولا بنفسه ، فكان كل واحد يقول : يا حسرتنا ويا ويلنا ، فقوله :
قالُوا يا وَيْلَنا
أي كل واحد قال يا ويلي ، وأما حيث قال اللّه قال على سبيل العموم لشمول علمه بحالهم .
المسألة الثالثة : ما وجه تعلق :
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا
بقولهم :
يا وَيْلَنا
نقول لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل ، فقالوا : يا ويلنا من بعثنا أبعثنا اللّه البعث الموعود به أم كنا نياما فنبهنا ؟ وهذا كما إذا كان إنسان موعودا بأن يأتيه عدو لا يطيقه ، ثم يرى رجلا هائلا يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول : هذا ذلك أم لا ؟ ويدل على ما ذكرنا قولهم :
مِنْ مَرْقَدِنا
حيث جعلوا القبور موضع الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نياما فنبهوا أو كانوا موتى وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين ، فقالوا :
مَنْ بَعَثَنا
إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به ، وقالوا :
مِنْ مَرْقَدِنا
إشارة إلى توهمهم احتمال الانتباه .
المسألة الرابعة :
هذا
إشارة إلى ماذا ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : أنه إشارة إلى المرقد كأنهم قالوا : من بعثنا من مرقدنا هذا فيكون صفة للمرقد يقال كلامي هذا صدق وثانيهما :
هذا
إشارة إلى البعث ، أي هذا البعث ما وعد به الرحمن وصدق فيه المرسلون .
المسألة الخامسة : إذا كان هذا صفة للمرقد فكيف يصح قوله تعالى :
ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
؟ نقول يكون ما وعد الرحمن ، مبتدأ خبره محذوف تقديره ما وعد الرحمن حق ، والمرسلون صدقوا ، أو يقال ما وعد به الرحمن وصدق فيه المرسلون حق ، والأول أظهر لقلة / الإضمار ، أو يقال ما وعد الرحمن خبر مبتدأ محذوف تقديره هو ما وعد الرحمن من البعث ليس تنبيها من النوم ، وصدق المرسلون فيما أخبروكم به .
المسألة السادسة : إن قلنا :
هذا
إشارة إلى المرقد أو إلى البعث ، فجواب الاستفهام بقولهم
مَنْ بَعَثَنا
أين يكون ؟ نقول : لما كان غرضهم من قولهم :
مَنْ بَعَثَنا
حصول العلم بأنه بعث أو تنبيه حصل الجواب بقوله هذا بعث وعد الرحمن به ليس تنبيها ، كما أن الخائف إذا قال لغيره ماذا تقول أيقتلني فلان ؟ فله أن يقول لا تخف ويسكت ، لعلمه أن غرضه إزالة الرعب عنه وبه يحصل الجواب . ثم قال تعالى :
[ سورة يس ( 36 ) : آية 53 ]
إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ( 53 )