تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
بعدهما زيادة ، وقال قوم فيه إن الجناح إشارة إلى الجهة ، وبيانه هو أن اللّه تعالى ليس فوقه شيء ، وكل شيء فهو تحت قدرته ونعمته ، والملائكة لهم وجه إلى اللّه يأخذون منه نعمه ويعطون من دونهم مما يأخذوه بإذن اللّه ، كما قال تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ
[ الشعراء : 193 ، 194 ] وقوله :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
[ النجم : 5 ] وقال تعالى في حقهم :
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً
[ النازعات : 5 ] فهما جناحان ، وفيهم من يفعل ما يفعل من الخير بواسطة ، وفيهم من يفعله لا بواسطة ، فالفاعل بواسطة فيه ثلاث جهات ، ومنهم من له أربع جهات وأكثر ، والظاهر ما ذكرناه أولا وهو الذي عليه إطباق المفسرين . وقوله تعالى :
يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
من المفسرين من خصصه وقال المراد الوجه الحسن ، ومنهم من قال الصوت الحسن ، ومنهم من قال كل وصف محمود ، والأولى أن يعمم ، ويقال اللّه تعالى قادر كامل يفعل ما يشاء فيزيد ما يشاء وينقص ما يشاء . وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يقرر قوله :
يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ

[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 2 ]

ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 2 ) ثم قال تعالى :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
. لما بين كمال القدرة ذكر بيان نفوذ المشيئة ونفاذ الأمر ، وقال
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ
يعني إن رحم فلا مانع له ، وإن لم يرحم فلا باعث له عليها ، وفي الآية دليل على سبق رحمته غضبه من وجوه : أحدها التقديم حيث قدم بيان فتح أبواب الرحمة في الذكر ، وهو وإن كان ضعيفا لكنه وجه من وجوه الفضل وثانيها : هو أن أنث الكناية في الأول فقال :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها
وجاز من حيث العربية أن يقال له ويكون عائدا إلى ما ، ولكن قال تعالى :
لَها
ليعلم أن المفتوح أبواب الرحمة ولا ممسك لرحمته فهي وصلة إلى من رحمته ، وقال عند الإمساك
وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ
بالتذكير ولم يقل لها فما صرح بأنه لا مرسل للرحمة ، بل ذكره بلفظ يحتمل أن يكون الذي لا يرسل هو غير الرحمة فإن قوله تعالى :
وَما يُمْسِكْ
عام من غير بيان وتخصيص بخلاف قوله تعالى :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ
فإنه مخصص مبين وثالثها : قوله :
مِنْ بَعْدِهِ
أي من بعد اللّه ، فاستثنى هاهنا وقال لا مرسل له إلا اللّه فنزل له مرسلا . وعند الإمساك / الإمساك قال لا ممسك لها ، ولم يقل غير اللّه لأن الرحمة إذا جاءت لا ترتفع فإن من رحمه اللّه في الآخرة لا يعذبه بعدها هو ولا غيره ، ومن يعذبه اللّه فقد يرحمه اللّه بعد العذاب كالفساق من أهل الإيمان . ثم قال تعالى :
وَهُوَ الْعَزِيزُ
أي كامل القدرة
الْحَكِيمُ
أي كامل العلم .

[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 3 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 3 ) ثم قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
لما بين أن الحمد للّه وبين بعض وجوه النعمة التي تستوجب الحمد على سبيل التفصيل بين نعمه على سبيل الإجمال فقال :
اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
وهي مع كثرتها منحصرة في قسمين نعمة الإيجاد ، ونعمة الإبقاء .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 222 | فخر الدين الرازي