الجزء السادس والعشرون
سورة فاطر
أربعون وخمس آيات مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 1 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 )
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا
قد ذكرنا فيما تقدم أن الحمد يكون على النعمة في أكثر الأمر ، ونعم اللّه قسمان : عاجلة وآجلة ، والعاجلة وجود وبقاء ، والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء أخرى ، وقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[ الأنعام : 1 ] إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإيجاد ، واستدللنا عليه بقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا
[ الأنعام : 2 ] وقوله في الكهف :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
[ الكهف : 1 ] إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإبقاء ، فإن البقاء والصلاح بالشرع والكتاب ، ولولاه لوقعت المنازعة والمخاصمة بين الناس ولا يفصل بينهم ، فكان يفضي ذلك إلى التقاتل والتفاني ، فإنزال الكتاب نعمة يتعلق بها البقاء العاجل ، وفي قوله في سورة سبأ :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
[ سبأ : 1 ] إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بالحشر ، واستدللنا عليه بقوله :
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ
من الأجسام
وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ
من الأرواح
وَما يَعْرُجُ فِيها
[ سبأ : 2 ] وقوله عن الكافرين :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ، قُلْ بَلى وَرَبِّي
[ سبأ : 3 ] وهاهنا الحمد إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة ، ويدل عليه قوله تعالى :
جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا
أي يجعلهم رسلا يتلقون عباد اللّه ، كما قال تعالى :
وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
[ الأنبياء : 103 ] وعلى هذا فقوله تعالى
فاطِرِ السَّماواتِ
يحتمل وجهين الأول : معناه مبدعها كما نقل عن ابن عباس والثاني :
فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض ويدل عليه قوله تعالى :
جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا
فإن في ذلك اليوم تكون الملائكة رسلا ، وعلى هذا فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى ، لأن قوله كما فعل بأشياعهم بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب وتيقنه بأن لا قبول لتوبته ولا فائدة لقوله آمنت . كما قال تعالى عنهم :
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ
[ سبأ : 52 ] فلما ذكر حالهم بين حال الموقن وبشره بإرساله الملائكة إليهم / مبشرين ، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة .
وقوله تعالى :
أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
أقل ما يكون لذي الجناح أن يكون له جناحان وما