الصفة ، ثم إنه تعالى أخبر عن دوام هذا الثواب فقال :
إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ
.
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 55 إلى 64 ]
هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ( 55 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ ( 56 ) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ( 57 ) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ ( 58 ) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ ( 59 )
قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ ( 60 ) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ ( 61 ) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ ( 62 ) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ ( 63 ) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ( 64 )
اعلم أنه تعالى لما وصف ثواب المتقين ، وصف بعده عقاب الطاغين ، ليكون الوعيد مذكورا عقيب الوعد ، والترهيب عقيب الترغيب .
واعلم أنه تعالى ذكر من أحوال أهل النار أنواعا فالأول : مرجعهم ومآبهم ، فقال :
هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ
[ ص : 55 ] وهذا في مقابلة قوله :
وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ
[ ص : 49 ] فبين تعالى أن حال الطاغين مضاد لحال المتقين ، واختلفوا في المراد بالطاغين ، فأكثر المفسرين حملوه على الكفار ، وقال الجبائي : إنه محمول على أصحاب الكبائر سواء كانوا كفارا أو لم يكونوا كذلك ، واحتج الأولون بوجوه الأول : أن قوله :
لَشَرَّ مَآبٍ
يقتضي أن يكون مآبهم شرا من مآب غيرهم ، وذلك لا يليق إلا بالكفار الثاني : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا :
أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا
وذلك لا يليق إلا بالكفار ، لأن الفاسق لا يتخذ المؤمن سخريا الثالث : أنه اسم ذم ، والاسم المطلق محمول على الكامل ، والكامل في الطغيان هو الكافر ، واحتج الجبائي على صحة قوله بقوله تعالى : /
إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
[ العلق : 6 ، 7 ] وهذا يدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل في حق صاحب الكبيرة ، ولأن كل من تجاوز عن تكاليف اللّه تعالى وتعداها فقد طغى ، إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما ، المعنى أن الذين طغوا وكذبوا رسلي لهم شر مآب ، أي شر مرجع ومصير ، ثم قال :
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها
والمعنى أنه تعالى لما حكم بأن الطاغين لهم شر مآب فسره بقوله :
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها
ثم قال :
فَبِئْسَ الْمِهادُ
وهو كقوله :
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ
[ الأعراف : 41 ] شبه اللّه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم .
ثم قال تعالى :
هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : فيه وجهان الأول : أنه على التقديم والتأخير ، والتقدير هذا حميم وغساق فليذوقوه الثاني : أن يكون التقدير جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه ، ثم يبتدئ فيقول : حميم وغساق .