تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
ثم قال تعالى :
وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ
فقد قيل هم عين أهله وزيادة مثلهم ، وقيل غيرهم مثلهم ، والأول : أولى لأنه هو الظاهر فلا يجوز العدول عنه من غير ضرورة ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : معناه أزلنا عنهم السقم فعادوا أصحاء ، وقال بعضهم : بل حضروا عنده بعد أن غابوا عنه واجتمعوا بعد أن تفرقوا . وقال بعضهم : بل تمكن منهم وتمكنوا منه فيما يتصل بالعشرة وبالخدمة . أما قوله :
وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ
فالأقرب أنه تعالى متعه بصحته وبماله وقواه حتى كثر نسله وصار أهله ضعف ما كان وأضعاف ذلك ، وقال الحسن رحمه اللّه : المراد بهبة الأهل أنه تعالى أحياهم بعد أن هلكوا . ثم قال :
رَحْمَةً مِنَّا
أي إنما فعلنا كل هذه الأفعال على سبيل الفضل والرحمة ، لا على سبيل اللزوم . ثم قال :
وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ
يعني سلطنا البلاء عليه أولا فصبر ثم أزلنا عنه البلاء وأوصلناه إلى الآلاء والنعماء ، تنبيها لأولي الألباب على أن من صبر ظفر ، والمقصود منه التنبيه على ما وقع ابتداء الكلام به وهو قوله لمحمد :
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ
وقالت المعتزلة قوله تعالى :
رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ
يعني إنما فعلناها لهذه الأغراض والمقاصد ، وذلك يدل على أن أفعال اللّه وأحكامه معللة بالأغراض والمصالح والكلام في هذا الباب قد مر غير مرة . أما قوله تعالى :
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً
فهو معطوف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك . واعلم أن هذا الكلام يدل على تقدم يمين منه ، وفي الخبر أنه حلف على أهله ، ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله حلف عليها ، ويبعد ما قيل إنها رغبته في طاعة الشيطان ، ويبعد أيضا ما روي أنها قطعت الذوائب عن رأسها لأن المضطر إلى الطعام يباح له ذلك بل الأقرب أنها خالفته في بعض المهمات ، وذلك أنها ذهبت في بعض المهمات فأبطأت فحلف في مرضه ليضربنها مائة إذا برئ ، ولما كانت حسنة الخدمة له لا جرم حلل اللّه يمينه بأهون شيء عليه وعليها ، وهذه الرخصة باقية ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه أتى بمجذم خبث بأمة فقال : « خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة » . ثم قال تعالى :
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً
فإن قيل كيف وجده صابرا وقد شكا إليه ، والجواب من وجوه الأول : أنه شكا من الشيطان إليه وما شكا منه إلى أحد الثاني : أن الألم حين كان على الجسد لم يذكر شيئا فلما عظمت الوساوس خاف على القلب والدين فتضرع الثالث : أن الشيطان عدو ، والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح في الصبر ، ثم قال :
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
وهذا يدل على أن تشريف نعم العبد ، إنما حصل لكونه أوابا ، وسمعت بعضهم قال : لما نزل قوله تعالى :
نِعْمَ الْعَبْدُ *
في حق سليمان عليه السلام تارة ، وفي حق أيوب عليه السلام أخرى عظم الغم في قلوب أمة محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وقالوا إن قوله تعالى :
نِعْمَ الْعَبْدُ
في حق سليمان تشريف عظيم ، فإن احتجنا إلى اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان حتى بحد هذا التشريف لم نقدر عليه ، وإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب لم نقدر عليه ، فكيف السبيل إلى تحصيله . فأنزل اللّه تعالى قوله :
نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ *
[ الأنفال : 40 ] والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى وإن كان منك الفضول ، فمني الفضل ، وإن كان منك التقصير ، فمني الرحمة والتيسير .

[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 45 إلى 48 ]

وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ( 45 ) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ( 46 ) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ( 47 ) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ ( 48 )
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 399 | فخر الدين الرازي