اعلم أن هذا هو القصة السادسة وهو آخر القصص المذكورة في هذه السورة ، وإنما صارت هذه القصة خاتمة للقصص ، لأجل أنه لما لم يصبر على أذي قومه وأبق إلى الفلك وقع في تلك الشدائد فيصير هذا سببا لتصبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم على أذى قومه .
أما قوله :
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » قرئ يونس بضم النون وكسرها .
المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أن هذه الواقعة إنما وقعت ليونس عليه السلام بعد أن صار رسولا ، لأن قوله :
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ
معناه أنه كان من المرسلين حينما أبق إلى الفلك ، ويمكن أن يقال إنه جاء في كثير من الروايات أنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى اللّه ، ثم أبق والتقمه الحوت فعند ذلك أرسله اللّه تعالى ، والحاصل أن قوله :
لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
لا يدل على أنه كان في ذلك الوقت مرسلا من عند اللّه تعالى ، ويمكن أن يجاب بأنه سبحانه وتعالى ذكر هذا الوصف في معرض تعظيمه ، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان المراد من / قوله :
لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
أنه من المرسلين عند اللّه تعالى .
المسألة الثالثة : أبق من إباق العبد وهو هربه من سيده ، ثم اختلف المفسرون فقال بعضهم : إنه أبق من اللّه تعالى ، وهذا بعيد لأن ذلك لا يقال إلا فيمن يتعمد مخالفة ربه ، وذلك لا يجوز على الأنبياء واختلفوا فيما لأجله صار مخطئا ، فقيل لأنه أمر بالخروج إلى بني إسرائيل فلم يقبل ذلك التكليف وخرج مغاضبا لربه ، وهذا بعيد سواء أمره اللّه تعالى بذلك بوحي أو بلسان نبي آخر ، وقيل إن ذنبه أنه ترك دعاء قومه ، ولم يصبر عليهم .
وهذا أيضا بعيد لأن اللّه تعالى لما أمره بهذا العمل فلا يجوز أن يتركه ، والأقرب فيه وجهان الأول : أن ذنبه كان لأن اللّه تعالى وعده إنزال الإهلاك بقومه الذين كذبوه فظن أنه نازل لا محالة ، فلأجل هذا الظن لم يصبر على دعائهم ، فكان الواجب عليه أن يستمر على الدعاء لجواز أن لا يهلكهم اللّه بالعذاب وإن أنزله ، وهذا هو الأقرب لأنه إقدام على أمر ظهرت أماراته فلا يكون تعمدا للمعصية ، وإن كان الأولى في مثل هذا الباب أن لا يعمل فيه بالظن ثم انكشف ليونس من بعد أنه أخطأ في ذلك الظن ، لأجل أنه ظهر الإيمان منهم فمعنى قوله :
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ
ما ذكرناه الوجه الثاني : أن يونس كان وعد قومه بالعذاب فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمستور عنهم فقصد البحر وركب السفينة ، فذلك هو قوله :
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ
وتمام الكلام في مشكلات هذه الآية ذكرناه في قوله تعالى :
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
[ الأنبياء : 87 ] وقوله :
إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
مفسر في سورة يونس والسفينة إذا كان فيها الحمل الكثير والناس يقال إنها مشحونة ، ثم قال تعالى :
فَساهَمَ
المساهمة هي المقارعة ، يقال أسهم القوم إذا اقترعوا ، قال المبرد : وإنما أخذ من السهام التي تجال للقرعة
فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
أي المغلوبين يقال أدحض اللّه حجته فدحضت أي أزالها فزالت وأصل الكلمة من الدحض الذي هو الزلق ، يقال دحضت رجل البعير إذا زلقت ، وذكر ابن عباس في قصة يونس