تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
الوقوف ممتدا إلى ذلك الوقت صح ذلك الوجه الثاني : هو أن إبراهيم بمجرد هداية اللّه إياه كان يعلم فساد قول المشركين وكان يهديهم إلى الرشاد قبل الإرسال ، ولما كان هو مشتغلا بالدعاء إلى الإسلام أرسله اللّه تعالى وقوله :
اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ
إشارة إلى التوحيد لأن التوحيد إثبات الإله ونفي غيره فقوله :
اعْبُدُوا اللَّهَ
إشارة إلى الإثبات ، وقوله :
وَاتَّقُوهُ
إشارة إلى نفي الغير لأن من يشرك م الملك غيره في ملكه يكون قد أتى بأعظم الجرائم ، ويمكن أن يقال :
اعْبُدُوا اللَّهَ
إشارة إلى الإتيان بالواجبات ، وقوله :
وَاتَّقُوهُ
إشارة إلى الامتناع عن المحرمات ويدخل في الأول الاعتراف باللّه ، وفي الثاني الامتناع من الشرك ، ثم قوله :
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
يعني عبادة اللّه وتقواه خير ، والأمر كذلك لأن خلاف عبادة اللّه تعالى تعطيل وخلاف تقواه تشريك وكلاهما شر عقلا واعتبارا ، أما عقلا فلأن الممكن لا بد له من مؤثر لا يكون ممكنا قطعا للتسلسل وهو واجب الوجود فلا تعطيل إذ لنا إله ، وأما التشريك فبطلانه عقلا وكون خلافه خيرا وهو أن شريك الواجب إن لم يكن واجبا فكيف يكون شريكا وإن كان واجبا لزم وجود واجبين فيشتركان في الوجوب ويتباينان في الإلهية ، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز فيلزم التركيب فيهما فلا يكونان واجبين لكونهما مركبين فيلزم التعطيل ، وأما اعتبارا فلأن الشرف بأن يكون ملكا أو قريب ملك ، لكن الإنسان لا يكون ملكا للسموات والأرضين / فأعلى درجاته أن يكون قريب الملك لكن القربة بالعبادة كما قال تعالى :
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
[ العلق : 19 ] . وقال : « لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم » و قال : « لا يزال العبد يتقرب بالعبادة إلي » فالمعطل لا ملك ولا قريب ملك لعدم اعتقاده بملك فلا مرتبة له أصلا ، وأما التشريك فلأن من يكون سيده لا نظير له يكون أعلى رتبة ممن يكون سيده له شركاء خسيسة ، فإذن من يقول إن ربي لا يماثله شيء أعلى مرتبة ممن يقول سيدي صنم منحوت عاجز مثله ، فثبت أن عبادة اللّه وتقواه خير وهو خير لكم أي خير للناس إن كانوا يعلمون ما ذكرناه من الدلائل والاعتبارات .

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 17 ]

إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 17 ) ثم قال تعالى :
إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
. ذكر بطلان مذهبهم بأبلغ الوجوه ، وذلك لأن المعبود إنما يعبد لأحد أمور ، إما لكونه مستحقا للعبادة بذاته كالعبد يخدم سيده الذي اشتراه سواء أطعمه من الجوع أو منعه من الهجوع ، وإما لكونه نافعا في الحال كمن يخدم غيره لخير يوصله إليه كالمستخدم بأجرة ، وإما لكونه نافعا في المستقبل كمن يخدم غيره متوقعا منه أمرا في المستقبل ، وإما لكونه خائفا منه . فقال إبراهيم :
إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً
إشارة إلى أنها لا تستحق العبادة لذاتها لكونها أوثانا لا شرف لها . قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
. إشارة إلى عدم المنفعة في الحال وفي المآل ، وهذا لأن النفع ، إما في الوجود ، وإما في البقاء لكن ليس منهم نفع في الوجود ، لأن وجودهم منكم حيث تخلقونها وتنحتونها ، ولا نفع في البقاء لأن ذلك بالرزق ، وليس منهم ذلك ، ثم بين أن ذلك كله حاصل من اللّه فقال :
فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ
فقوله :
اللَّهِ
إشارة إلى
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 38 | فخر الدين الرازي