تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
المسألة الثالثة : في ليقولن قراءتان إحداهما : الفتح حملا على قوله :
مَنْ يَقُولُ آمَنَّا
يعني من يقول آمنا إذا أوذي يترك ذلك القول ، وإذا جاء النصر يقول إنا كنا معكم وثانيتهما : الضم على الجمع إسنادا للقول إلى الجميع الذين دل عليهم المفهوم فإن المنافقين كانوا جماعة ، ثم بين اللّه تعالى أنهم أرادوا التلبيس ولا يصح ذلك لهم لأن التلبيس إنما يكون عندما يخالف القول القلب ، فالسامع يبني الأمر على قوله ولا يدري ما في قلبه فيلتبس الأمر عليه وأما اللّه تعالى فهو عليم بذات الصدور ، وهو أعلم بما في صدر الإنسان من الإنسان فلا يلتبس عليه الأمر ، وهذا إشارة إلى أن الاعتبار بما في القلب ، فالمنافق الذي يظهر الإيمان ويضمر الكفر كافر ، والمؤمن المكره الذي يظهر الكفر ويضمر الإيمان مؤمن واللّه أعلم بما في صدور العالمين ، ولما بين أنه أعلم بما في قلوب العالمين ، بين أنه يعلم المؤمن المحق وإن لم يتكلم ، والمنافق وإن تكلم فقال :
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ
وقد سبق تفسيره ، لكن فيه مسألة واحدة وهي أن اللّه قال هناك :
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
وقال هاهنا :
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
فنقول لما كان الذكر هناك للمؤمن / والكافر ، والكافر في قوله كاذب ، فإنه يقول : اللّه أكثر من واحد ، والمؤمن في قوله صادق فإنه كان يقول اللّه واحد ، ولم يكن هناك ذكر من يضمر خلاف ما يظهر ، فكان الحاصل هناك قسمين صادقا وكاذبا « 1 » وكان هاهنا المنافق صادقا في قوله فإنه كان يقول اللّه واحد ، فاعتبر أمر القلب في المنافق فقال :
وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ
واعتبر أمر القلب في المؤمن وهو التصديق فقال :
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
. ثم قال تعالى :

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 12 ]

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 12 ) لما بين اللّه تعالى الفرق الثلاثة وأحوالهم ، وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة ، وبين أن عذاب اللّه فوقها ، وكان الكافر يقول للمؤمن تصبر في الذل وعلى الإيذاء لأي شيء ولم لا تدفع عن نفسك الذل والعذاب بموافقتنا ؟ فكان جواب المؤمن أن يقول خوفا من عذاب اللّه على خطيئة مذهبكم ، فقالوا لا خطيئة فيه وإن كان فيه خطيئة فعلينا ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ولنحمل صيغة أمر ، والمأمور غير الآمر ، فكيف يصح أمر النفس من الشخص ؟ فنقول الصيغة أمر والمعنى شرط وجزاء ، أي إن اتبعتمونا حملنا خطاياكم ، قال صاحب « الكشاف » : هو في معنى قول من يريد اجتماع أمرين في الوجود ، فيقول ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء ، فقوله ولنحمل ، أي ليكن منا الحمل وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب . المسألة الثانية : قال :
وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ
وقال بعد هذا :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
[ العنكبوت : 13 ] فهناك نفى الحمل ، وهاهنا أثبت الحمل ، فكيف الجمع بينهما ، فنقول قول القائل : فلان حمل عن فلان يفيد أن حمل فلان خف ، وإذا لم يخف حمله فلا يكون قد حمل منه شيئا ، فكذلك هاهنا ما هم بحاملين من خطاياهم يعني لا يرفعون عنهم خطيئة وهم يحملون أوزارا بسبب إضلالهم ويحملون أوزارا
هامش
( 1 ) في الأصول صادق وكاذب ولما كانا بدلا من خبر كان المنصوب فتعين نصبهما .