المسألة الثانية : قدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهن أكثر ، وكيف وهم قد رأوا جميع بدن البنات في حال صغرهن ، ثم الأبناء ثم الإخوة وذلك ظاهر . إنما الكلام في بني الإخوة حيث قدمهم اللّه تعالى على بني الأخوات ، لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم ، وبني الأخوة آباؤهم محارم أيضا ، ففي بني الأخوات مفسدة ما وهي أن الابن ربما يحكي خالته عند أبيه وهو ليس بمحرم ولا كذلك بنو الإخوة .
المسألة الثالثة : لم يذكر اللّه من المحارم الأعمام والأخوال ، فلم يقل ولا أعمامهن ولا أخوالهن لوجهين أحدهما : أن ذلك علم من بني الإخوة وبني الأخوات ، لأن من علم أن بني الأخ للعمات محارم علم أن بنات الأخ للأعمام محارم ، وكذلك الحال في أمر الخال ثانيهما : أن الأعمام ربما يذكرون بنات الأخ عند أبنائهم وهم غير محارم ، وكذلك الحال في ابن الخال .
المسألة الرابعة :
وَلا نِسائِهِنَّ
مضافة إلى المؤمنات حتى لا يجوز التكشف للكافرات في وجه .
المسألة الخامسة :
وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ
هذا بعد الكل ، فإن المفسدة في التكشف لهم ظاهرة ، ومن الأئمة من قال المراد من كان دون البلوغ .
ثم قوله تعالى :
وَاتَّقِينَ اللَّهَ
عند المماليك دليل على أن التكشف لهم مشروط بشرط السلامة والعلم بعدم المحذور . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً
في غاية الحسن في هذا الموضع ، وذلك لأن ما سبق إشارة إلى جواز الخلوة بهم والتكشف لهم ، فقال إن اللّه شاهد عند اختلاء بعضكم ببعض ، فخلوتكم مثل ملئكم بشهادة اللّه تعالى فاتقوا .
[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 56 ]
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 56 )
ثم قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
لما أمر اللّه المؤمنين بالاستئذان وعدم النظر إلى وجوه نسائه احتراما كمل بيان حرمته ، وذلك لأن حالته منحصرة في اثنتين حالة خلوته ، وذكر ما يدل على احترامه في تلك الحالة بقوله
لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ
وحالة يكون في ملأ . والملأ إما الملأ الأعلى ، وإما الملأ الأدنى ، أما في الملأ الأعلى فهو محترم ، فإن اللّه وملائكته يصلون عليه . وأما في الملأ الأدنى فذلك واجب الاحترام بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
وفي الآية مسائل :
الأولى : الصلاة الدعاء يقال في اللغة صلى عليه ، أي دعا له ، وهذا المعنى غير معقول في حق اللّه تعالى فإنه لا يدعو له ، لأن الدعاء للغير طلب نفعه من ثالث . فقال الشافعي رضي اللّه عنه استعمل اللفظ بمعان ، وقد تقدم في تفسير قوله :
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ
[ الأحزاب : 43 ] والذي نزيده هاهنا هو أن اللّه تعالى قال هناك :
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ
جعل الصلاة للّه وعطف الملائكة على اللّه ، وهاهنا جمع نفسه وملائكته وأسند الصلاة إليهم فقال :
يُصَلُّونَ
وفيه تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام ، وهذا لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلا للمذكور على المعطوف ، كما أن الملك إذا قال يدخل فلان وفلان أيضا يفهم منه تقديم لا يفهم لو قال فلان وفلان يدخلان ، إذا علمت هذا ، فقال في حق النبي عليه السلام إنهم يصلون إشارة إلى أنه في الصلاة على النبي عليه السلام كالأصل وفي الصلاة على المؤمنين