تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
إطفاء حريق فيها أو غير ذلك ، جاز الدخول . المسألة الرابعة : قوله :
فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا
كأن بعض الصحابة أطال المكث يوم وليمة النبي عليه السلام في عرس زينب ، والنبي عليه السلام لم يقل له شيئا ، فوردت الآية جامعة لآداب ، منها المنع من إطالة المكث في بيوت الناس ، وفي معنى البيت موضع مباح اختاره شخص لعبادته أو اشتغاله بشغل فيأتيه أحد ويطيل المكث عنده ، وقوله :
وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ
قال الزمخشري هو عطف على
غَيْرَ ناظِرِينَ
مجرور ، ويحتمل أن يكون منصوبا عطفا على المعنى ، فإن معنى قوله تعالى :
لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ
لا تدخلوها هاجمين ، فعطف عليه
وَلا مُسْتَأْنِسِينَ
ثم إن اللّه تعالى بين كون ذلك أدبا وكون النبي حليما بقوله :
إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ
إشارة إلى أن ذلك حق وأدب ، وقوله كان إشارة إلى تحمل النبي عليه السلام ، ثم ذكر اللّه أدبا آخر وهو قوله :
وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
لما منع اللّه الناس من دخول بيوت النبي عليه السلام ، وكان في ذلك تعذر الوصول إلى الماعون ، بين أن ذلك غير ممنوع منه فليسأل وليطلب من وراء حجاب ، وقوله
ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ
يعني العين روزنة القلب ، فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب . أما إن رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي ، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر ، وعدم الفتنة حينئذ أظهر ، ثم إن اللّه تعالى لما علم المؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على محافظته ، فقال :
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ
وكل ما منعتم عنه مؤذ فامتنعوا عنه ، وقوله تعالى :
وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً
قيل سبب نزوله أن بعض الناس قيل هو طلحة بن عبيد اللَّه ، قال لئن عشت بعد محمد لأنكحن عائشة ، وقد ذكرنا أن اللفظ العام لا يغير معناه سبب النزول ، فإن المراد أن إيذاء الرسول حرام ، والتعرض لنسائه في حياته إيذاء فلا يجوز ، ثم قال لا بل ذلك غير جائز مطلقا ، ثم أكد بقوله :
إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً
أي إيذاء الرسول . ثم قال تعالى :

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 54 إلى 55 ]

إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 54 ) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ( 55 ) ثم إن اللّه تعالى لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله :
لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ
وفي الآية مسائل : الأولى : في الحجاب أوجب السؤال من وراء الحجاب على الرجال ، فلم لم يستثن الرجال عن الجناح ، ولم يقل لا جناح على آبائهن ؟ فنقول قوله تعالى :
فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
[ الأحزاب : 53 ] أمر بسدل الستر عليهن وذلك لا يكون إلا بكونهن مستورات محجوبات وكان الحجاب وجب عليهن ، ثم أمر الرجال بتركهن كذلك ، ونهوا عن هتك أستارهن فاستثنين عند الآباء والأبناء وفيه لطيفة : وهي أن عند الحجاب أمر اللّه الرجل بالسؤال من وراء حجاب ، ويفهم منه كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى ، وعند الاستثناء قال تعالى :
لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ
عند رفع الحجاب عنهن ، فالرجال أولى بذلك .