تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
الحميم والغساق ، وهم الذين قال اللَّه تعالى فيهم
عامِلَةٌ ناصِبَةٌ
[ الغاشية : 3 ] ،
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
[ الكهف : 104 ] ،
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ
[ الفرقان : 23 ] وقيل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية ، كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام . أما قوله :
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
فذاك لأنه سبحانه عالم بجميع المعلومات فلا يشق عليه الحساب ، وقال بعض المتكلمين معناه لا يشغله محاسبة واحد عن آخر كنحن ، ولو كان يتكلم بآلة كما يقوله المشبهة لما صح ذلك ، وأما المثل الثاني فهو قوله :
أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ
وفي لفظة ( أو ) هاهنا وجوه : أحدها : اعلم أن اللَّه تعالى بين أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب وإن كانت قبيحة فهي الظلمات وثانيها : تقدير الكلام أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا وثالثها : الآية الأولى في ذكر أعمالهم وأنهم لا يتحصلون منها على شيء ، والآية الثانية في ذكر عقائدهم فإنها تشبه الظلمات كما قال :
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ *
[ البقرة : 257 ] أي من الكفر إلى الإيمان يدل عليه قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ النور : 40 ] وأما البحر اللجي فهو ذو اللجة التي هي معظم الماء الغمر البعيد القعر ، وفي اللجى لغتان كسر اللام وضمها ، وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جدا بسبب غمورة الماء ، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى ، فالواقع في قعر هذا البحر اللجى يكون في نهاية شدة الظلمة ، ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها ومن أبعد ما يظن أنه لا يراها فقال تعالى :
لَمْ يَكَدْ يَراها
وبين سبحانه بهذا البلوغ تلك الظلمة إلى أقصى النهايات ثم شبه به الكافر في اعتقاده وهو ضد المؤمن في قوله تعالى :
نُورٌ عَلى نُورٍ
[ النور : 35 ] وفي قوله :
يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ
[ الحديد : 12 ] ولهذا قال أبي بن كعب الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه وعمله ومدخله ومخرجه ومصيره إلى النار ، وفي كيفية هذا التشبيه وجوه أخر : أحدها : أن اللَّه تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب وكذا الكافر له ظلمات ثلاثة ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة القول وظلمة العمل عن الحسن وثانيها : شبهوا قلبه وبصره وسمعه بهذه الظلمات الثلاث عن ابن عباس وثالثها : أن الكافر لا يدري أنه ولا يدري أنه لا يدري ويعتقد أنه يدري ، فهذه المراتب الثالث تشبه تلك الظلمات ورابعها : أن هذه الظلمات متراكمة فكذا الكفار لشدة إصراره على كفره ، قد تراكمت عليه / الضلالات حتى أن أظهر الدلائل إذا ذكرت عنده لا يفهمها وخامسها : قلب مظلم في صدر مظلم . أما قوله :
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ
فروي عن ابن كثير أنه قرأ ( سحاب ) وقرأ ( ظلمات ) بالجر على البدل من قوله :
أَوْ كَظُلُماتٍ
وعنه أيضا أنه قرأ
سَحابٌ ظُلُماتٌ
كما يقال سحاب رحمة وسحاب عذاب على الإضافة وقراءة الباقين
سَحابٌ ظُلُماتٌ
كلاهما بالرفع والتنوين وتمام الكلام عند قوله :
سَحابٌ
ثم ابتدأ
ظُلُماتٌ
أي ما تقدم ذكره ظلمات بعضها فوق بعض . أما قوله :
لَمْ يَكَدْ يَراها
ففيه قولان : أحدهما : أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي فقوله :
وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
[ البقرة : 71 ] نفي في اللفظ ولكنه إثبات في المعنى لأنهم فعلوا ذلك وقوله عليه الصلاة والسلام : « كاد الفقر أن يكون كفرا » إثبات في اللفظ لكنه نفي في المعنى لأنه لم يكفر فكذا هاهنا قوله :
لَمْ يَكَدْ يَراها
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 400 | فخر الدين الرازي