تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
فأدخلت الهاء عوضا من المحذوف وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة ، قال وهذا إجماع من النحويين . المسألة الحادية عشرة : اختلفوا في الصلاة فمنهم من قال هي الفرائض ، ومنهم من أدخل فيه النقل على ما حكيناه في صلاة الضحى عن ابن عباس ، والأول أقرب لأنه إلى التعريف أقرب وكذلك القول في الزكاة أن المراد المفروض لأنه المعروف في الشرع المسمى بذلك ، وقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما المراد من الزكاة طاعة اللَّه تعالى والإخلاص ، وكذا في قوله :
وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ
[ مريم : 55 ] وقوله :
ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
[ النور : 21 ] وقوله :
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
[ التوبة : 103 ] وهذا ضعيف لما تقدم ولأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء ، وهذا لا يحمل إلا على ما يعطى من حقوق المال . المسألة الثانية عشرة : أنه سبحانه بين أن هؤلاء الرجال وإن تعبدوا بذكر اللَّه والطاعات فإنهم مع ذلك موصوفون بالوجل والخوف فقال :
يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ
وذلك الخوف إنما كان لعلمهم بأنهم ما عبدوا اللَّه حق عبادته . واختلفوا في المراد بتقلب القوب والأبصار على أقوال : فالقول الأول : أن القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار لقوله :
وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ
[ الأحزاب : 10 ] الثاني : أنها تتغير أحوالها فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعا عليها لا تفقه وتبصر الأبصار بعد أن كانت لا تبصر ، فكأنهم انقلبوا من الشك إلى الظن ، ومن الظن إلى اليقين ، ومن اليقين إلى المعاينة ، لقوله :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ / يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزمر : 47 ] وقوله :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ
[ ق : 22 ] ، الثالث : أن القلوب تتقلب في ذلك اليوم طمعا في النجابة وحذرا من الهلاك والأبصار تنقلب من أي ناحية يؤمر بهم ، أمن ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ؟ ومن أي ناحية يعطون كتابهم أمن قبل الإيمان أم من قبل الشمائل ؟ والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل ، فإنهم قالوا إن أهل الثواب لا خوف عليهم البتة في ذلك اليوم ، وأهل العقاب لا يرجون العفو ، لكنا بينا فساد هذا المذهب غير مرة الرابع : أن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر ، والأبصار تصير زرقا ، قال الضحاك : يحشر الكافر وبصره حديد وتزرق عيناه ثم يعمى ، ويتقلب القلب من الخوف حيث لا يجد مخلصا حتى يقع في الحنجرة فهو قوله :
إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ
[ غافر : 18 ] ، الخامس : قال الجبائي المراد بتقلب القلوب والأبصار تغير هيئاتهما بسبب ما ينالها من العذاب ، فتكون مرة بهيئة ما أنضج بالنار ومرة بهيئة ما احترق ، قال ويجوز أن يريد به تقلبها على جمر جهنم وهو معنى قوله تعالى :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ الأنعام : 110 ] . المسألة الثالثة عشرة : قوله :
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا
أي يفعلون هذه القربات ليجزيهم اللَّه ويثيبهم على أحسن ما عملوا ، وفيه وجوه : الأول : المراد بالأحسن الحسنات أجمع ، وهي الطاعات فرضها ونفلها ، قال مقاتل : إنما ذكر الأحسن تنبيها على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم . الثاني : أنه سبحانه يجزيهم جزاء أحسن ما عملوا على الواحد عشرا إلى سبعمائة الثالث : قال القاضي : المراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم وإنما يجزيهم اللَّه تعالى بأحسن الأعمال ، وهذا مستقيم على مذهبه في الإحباط والموازنة . أما قوله تعالى :
وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
فالمعنى أنه تعالى يجزيهم بأحسن الأعمال ولا يقتصر على قدر
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 398 | فخر الدين الرازي