المقصود من بعثة الأنبياء الإحسان إلى الخلق فالملك الكبير إذا أحسن إلى بعض الضعفاء رحمة عليه فأخذ ذلك الضعيف إلى اللجاج والنزاع ، ويقول لا أريد هذا بل أريد ذاك ، حسن أن يقال إن هذا المكدي قد استكبر في نفسه وعتا عتوا شديدا من حيث لا يعرف قدر نفسه ومنتهى درجته فكذا هاهنا وسادسها : يمكن أن يكون المراد أن اللَّه تعالى قال لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم ، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به فلا جرم لا أعطيهم ذلك ، وهذا التأويل يعرف من اللفظ وسابعها : لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن اللَّه تعالى لا يرى في الدنيا ، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق ، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل التعنت أو على سبيل الاستهزاء .
المسألة الثانية : قالت المعتزلة : الآية دلت على أن اللَّه تعالى لا تجوز رؤيته لأن رؤيته لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتوا واستكبارا ، قالوا وقوله :
لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً
ليس إلا لأجل سؤال الرؤية حتى لو أنهم اقتصروا على نزول الملائكة لما خوطبوا بذلك ، والدليل عليه أن اللَّه تعالى ذكر أمر الرؤية في آية أخرى على حدة وذكر الاستعظام وهو قوله :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ
[ البقرة : 55 ] وذكر نزول الملائكة على حدة في آية أخرى فلم يذكر الاستعظام وهو قولهم :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ
وهل نرى الملائكة فثبت بهذا أن الاستكبار والعتو في هذه الآية إنما حصل لأجل سؤال الرؤية .
واعلم أن الكلام على ذلك قد تقدم في سورة البقرة ، والذي نريده هاهنا أنا بينا أن قوله /
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا
يدل على الرؤية ، وأما الاستكبار والعتو ، فلا يمكن أن يدل ذلك على أن الرؤية مستحيلة لأن من طلب شيئا محالا ، لا يقال إنه عتا واستكبر ، ألا ترى أنهم لما قالوا :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتوا واستكبارا ، بل قال :
إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
[ الأعراف : 138 ] بل العتو والاستكبار لا يثبت إلا إذا طلب الإنسان ما لا يليق به ممن فوقه أو كان لائقا به ، ولكنه يطلبه على سبيل التعنت . وبالجملة فقد ذكرنا وجوها كثيرة في تحقيق معنى الاستكبار والعتو سواء كانت الرؤية ممتنعة أو ممكنة ، ومما يدل عليه أن موسى لما سأل الرؤية ما وصفه اللَّه تعالى بالاستكبار والعتو ، لأنه عليه السلام طلب الرؤية شوقا ، وهؤلاء طلبوها امتحانا وتعنتا ، لا جرم وصفهم بذلك فثبت فساد ما قاله المعتزلة .
المسألة الثالثة : إنما قال
فِي أَنْفُسِهِمْ
لأنهم أضمروا الاستكبار [ عن الحق وهو الكفر والعناد ] « 1 » في قلوبهم واعتقدوه كما قال :
إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ
[ غافر : 56 ] وقوله :
وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً
أي تجاوزوا الحد في الظلم يقال عتا [ عتا ] « 2 » فلان وقد وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه ، يعني أنهم لم يجترئوا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو .
أما قوله تعالى :
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً
فهو جواب لقولهم :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ
فبين تعالى أن الذي سألوه سيوجد ، ولكنهم يلقون منه ما يكرهون ، وهاهنا مسائل :
هامش
( 1 ) زيادة من الكشاف 3 / 88 ط . دار الفكر .
( 2 ) المصدر السابق .