أما قوله تعالى :
أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة لو كان المراد من قوله :
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
الخبر لما ذكر عقيبه
أَ تَصْبِرُونَ
لأن أمر العاجز غير جائز .
المسألة الثانية : المعنى أتصبرون على البلاء فقد علمتم ما وعد اللَّه الصابرين
وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً
أي هو العالم بمن يصبر ومن لا يصبر ، فيجازي كلا منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب .
المسألة الثالثة : قوله :
أَ تَصْبِرُونَ
استفهام والمراد منه التقرير وموقعه بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله :
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا *
.
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 21 إلى 24 ]
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ( 21 ) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ( 22 ) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ( 24 )
اعلم أن قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا
هو الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم وحاصلها : لم لم ينزل اللَّه الملائكة حتى يشهدوا أن محمدا محق في دعواه
أَوْ نَرى رَبَّنا
حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا ؟ وتقرير هذه الشبهة أن من أراد تحصيل شيء ، وكان له إلى تحصيله طريقان ، أحدهما يفضي إليه قطعا والآخر قد يفضي وقد لا يفضي ، فالحكيم يجب عليه في حكمته أن يختار في تحصيل ذلك المقصود الطريق الأقوى والأحسن ، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا بصدق محمد صلى اللَّه عليه وسلم أكثر إفضاء إلى المقصود ، فلو أراد اللَّه تعالى تصديق محمد صلى اللَّه عليه وسلم لفعل ذلك وحيث لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أراد تصديقه هذا حاصل الشبهة ، ثم هاهنا مسائل :
المسألة الأولى : قال الفراء قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا
معناه لا يخافون لقاءنا ووضع الرجاء في موضع الخوف لغة تهامية ، إذا كان معه جحد ، ومثله قوله تعالى :
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
[ نوح : 13 ] أي لا تخافون له عظمة ، وقال القاضي لا وجه لذلك ، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز ، ومعلوم أن من حال عباد الأصنام أنهم كما لا يخافون العقاب لتكذيبهم بالمعاد ، فكذلك لا يرجون لقاءنا ووعدنا على الطاعة من الجنة والثواب ، ومعلوم أن من / لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب أيضا ، فالخوف تابع لهذا الرجاء .
المسألة الثانية : المجسمة تمسكوا بقوله تعالى :
لِقاءَنا
أنه جسم وقالوا اللقاء هو الوصول يقال هذا الجسم لقي ذلك أي وصل إليه واتصل به ، وقال تعالى :
فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
[ القمر : 12 ] فدلت الآية على أنه سبحانه جسم والجواب على طريقين الأول : طريق بعض أصحابنا قال المراد من اللقاء هو الرؤية ، وذلك لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي فسمى اللقاء أحد أنواع الرؤية والنوع الآخر الاتصال والمماسة ،