تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥
وأما قوله :
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
فالمراد من المسلم إما المنقاد أو المؤمن ، فثبت أن هذا الكتاب على وجازته يحوي كل ما لا بد منه في الدين والدنيا ، فإن قيل النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامة الدلالة على كونه رسولا حقا يدل على الاكتفاء بالتقليد جوابه : معاذ اللَّه أن يكون هناك تقليد وذلك لأن رسول سليمان إلى بلقيس كان الهدهد ورسالة الهدهد معجز ؛ والمعجز يدل على وجود الصانع وعلى صفاته ويدل على صدق المدعي فلما كانت تلك الرسالة دلالة تامة على التوحيد والنبوة لا جرم لم يذكر في الكتاب دليلا آخر . أما قوله :
يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي
فالفتوى هي الجواب في الحادثة اشتقت على طريق الاستعارة من الفتى في السن أي أجيبوني في الأمر الفتى ، وقصدت بالانقطاع إليهم واستطلاع رأيهم تطييب قلوبهم
ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً
أي لا أبت أمرا إلا بمحضركم . أما قوله :
قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ
فالمراد قوة الأجسام وقوة الآلات [ والعدد ] « 1 » والمراد بالبأس النجدة ( والثبات ) « 2 » في الحرب ، وحاصل الجواب أن القوم ذكروا أمرين : أحدهما : إظهار القوة الذاتية والعرضية ليظهر أنها إن أرادتهم للدفع والحرب وجدتهم بحيث تريد ، والآخر قولهم :
وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ
وفي ذلك إظهار الطاعة لها إن أرادت السلم ، ولا يمكن ذكر جواب أحسن من هذا واللَّه أعلم .

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 34 إلى 37 ]

قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 34 ) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ( 35 ) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ( 36 ) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ( 37 ) اعلم أنها لما عرضت الواقعة على أكابر قومها وقالوا ما تقدم أظهرت رأيها ، وهو أن الملوك إذا دخلوا قرية بالقهر أفسدوها ، أي خربوها وأذلوا أعزتها ، فذكرت لهم عاقبة الحرب . وأما قوله :
وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
فقد اختلفوا أهو من كلامها أو من كلام اللَّه تعالى كالتصويب لها والأقرب أنه من كلامها ، وأنها ذكرته تأكيدا لما وصفته من حال الملوك . فأما الكلام في صفة الهداية فالناس أكثروا فيها لكن لا ذكر لها في الكتاب وقولها :
فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
فيه دلالة على أنها لم تثق بالقبول وجوزت الرد ، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان ، ولما وصلت الهدايا إلى سليمان عليه السلام ذكر أمرين : الأول : قوله :
أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ
فأظهر بهذا الكلام قلة الاكتراث بذلك المال . أما قوله :
بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن الهدية اسم للمهدي ، كما أن العطية اسم للمعطي ، فتضاف إلى المهدي وإلى المهدى له ، والمضاف إليه هاهنا هو المهدى إليه ، والمعنى أن اللَّه تعالى آتاني الدين الذي هو السعادة القصوى ، وآتاني من الدنيا ما لا مزيد عليه ، فكيف يستمال مثلي بمثل هذه الهدية ، بل أنتم تفرحون بما يهدي إليكم ، لكن حالي خلاف حالكم وثانيها : بل أنتم بهديتكم هذه التي
هامش
( 1 ) زيادة من الكشاف . ( 2 ) في الكشاف ( والبلاء ) .