تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
أما قوله :
ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ
أي تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ليكون ما يقولونه بمسمع منك و
يَرْجِعُونَ
من قوله تعالى :
يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ
[ سبأ : 30 ] ويقال دخل عليها من كوة وألقى إليها الكتاب وتوارى في الكوة .

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 29 إلى 33 ]

قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ( 29 ) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 31 ) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ ( 32 ) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ ( 33 ) اعلم أن قوله :
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
بمعنى أن يقال إن الهدهد ألقى إليها الكتاب فهو محذوف كأنه ثابت ، روي أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها فدخل من كوة وطرح الكتاب على نحرها وهي مستلقية ، وقيل نقرها فانتبهت فزعة . أما قوله :
كِتابٌ كَرِيمٌ
ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : حسن مضمونه وما فيه وثانيها : وصفته بالكريم لأنه من عند ملك كريم وثالثها : أن الكتاب كان مختوما وقال عليه السلام : « كرم الكتاب ختمه » وكان عليه السلام « يكتب إلى العجم ، فقيل له إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه خاتم فاتخذ لنفسه خاتما » . أما قوله :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ففيه أبحاث : البحث الأول : أنه استئناف وتبيين لما ألقي إليها كأنها لما قالت إني ألقي إلي كتاب كريم قيل لها ممن هو وما هو فقالت إنه من سليمان وإنه كيت وكيت ، وقرأ عبد اللَّه
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ
عطفا على
إِنِّي
وقرئ
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ
بالفتح وفيه وجهان : أحدهما : أنه بدل من كتاب كأنه قيل ألقي إلي أنه من سليمان وثانيهما : أن يريد أن من سليمان ولأنه بسم اللَّه كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم اللَّه وقرأ أبي ( أن من سليمان وأن بسم اللَّه ) على أن المفسرة ، وأن في ( ألا تعلوا ) مفسرة أيضا ومعنى لا تعلوا لا تتكبروا كما تفعل الملوك ، وقرأ ابن عباس بالغين معجمة من الغلو وهي مجاوزة الحد . البحث الثاني : يقال لم قدم سليمان اسمه على قوله :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
؟ جوابه : حاشاه من ذلك بل ابتدأ هو ببسم اللَّه الرحمن الرحيم ، وإنما ذكرت بلقيس أن هذا الكتاب من سليمان ثم حكت ما في الكتاب واللَّه تعالى حكى ذلك فالتقديم واقع في الحكاية . البحث الثالث : أن الأنبياء عليهم السلام لا يطيلون بل يقتصرون على المقصود ، وهذا الكتاب مشتمل على تمام المقصود ، وذلك لأن المطلوب من الخلق ، إما العلم أو العمل والعلم مقدم على العمل فقوله :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مشتمل على إثبات الصانع سبحانه وتعالى وإثبات كونه عالما قادرا حيا مريدا حكيما رحيما . وأما قوله :
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ
فهو نهي عن الانقياد لطاعة النفس والهوى والتكبر .