أما قوله تعالى :
وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
فالمراد كثرة ما أوتي وذلك لأن الكل والبعض الكثير يشتركان في صفة الكثرة ، والمشاركة سبب لجواز الاستعارة فلا جرم يطلق لفظ الكل على الكثير ومثله قوله :
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
[ النمل : 23 ] .
أما قوله :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
فهو تقرير لقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا
والمقصود منه الشكر والمحمدة كما
قال عليه السلام : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر »
فإن قيل كيف قال :
عُلِّمْنا
. . .
وَأُوتِينا
وهو من كلام المتكبرين ؟ جوابه من وجهين : الأول : أن يريد نفسه وأباه والثاني : أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكا مطاعا ، وقد يتعلق بتعظيم الملك مصالح فيصير ذلك التعظيم واجبا .
وأما قوله :
وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ
فالحشر هو الإحضار والجمع من الأماكن المختلفة ، والمعنى أنه جعل اللَّه تعالى كل هذه الأصناف جنوده ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده ، ولا يكون كذلك إلا مع العقل الذي يصح معه التكليف ، أو يكون بمنزلة المراهق الذي قد قارب حد التكليف فلذلك قلنا إن اللَّه تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل ، وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه اللَّه تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها أو خصها اللَّه بها لمنافع العباد كالنحل وغيره .
وأما قوله تعالى :
فَهُمْ يُوزَعُونَ
معناه يحبسون وهذا لا يكون إلا إذا كان في كل قبيل منها وازع ، ويكون له تسلط على من يرده ويكفه ويصرفه ، فالظاهر يشهد بهذا القدر والذي جاء في الخبر من أنهم كانوا يمنعون من يتقدم ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب فغير ممتنع .
أما قوله تعالى :
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ
فقيل هو واد بالشام كثير النمل ، ويقال لم عدى
أَتَوْا
بعلى ؟ فجوابه من وجهين : الأول : أن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء والثاني : أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى على الشيء إذا [ أنفذه و ] « 1 » بلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي ، وقرئ
نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ
بضم الميم وبضم النون والميم وكان الأصل النمل بوزن الرجل والنمل الذي عليه الاستعمال تخفيف عنه [ كقولهم السبع في السبع ] « 2 » .
أما قوله تعالى :
قالَتْ نَمْلَةٌ
فالمعنى أنها تكلمت بذلك وهذا غير مستبعد ، فإن اللَّه تعالى قادر على أن يخلق فيها العقل والنطق . وعن قتادة : أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة رحمه اللَّه حاضرا وهو غلام حدث فقال سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى ؟ فسألوه فأفحم ، فقال أبو حنيفة رضي اللَّه عنه كانت أنثى فقيل له من أين عرفت ؟ فقال من كتاب اللَّه تعالى وهو قوله :
قالَتْ نَمْلَةٌ
ولو كان ذكرا لقال ( قال نملة ) ، وذلك لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي « 3 » .
أما قوله تعالى :
ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ
فاعلم أن النملة لما قاربت حد العقل ، لا جرم ذكرت بما يذكر به العقلاء فلذلك قال تعالى :
ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ
فإن قلت
لا يَحْطِمَنَّكُمْ
ما هو ؟ قلت يحتمل أن يكون جوابا
هامش
( 1 ) زيادة من الكشاف .
( 2 ) زيادة من الكشاف .
( 3 ) مقتضى ما ذكره من أن النملة تقع على المذكر والمؤنث يبطل رد أبي حنيفة رحمه اللَّه تعالى .