تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
السؤال الثاني : كيف جاء بسين التسويف ؟ جوابه : عدة منه لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة . السؤال الثالث : لما ذا أدخل ( أو ) بين الأمرين وهلا جمع بينهما لحاجته إليهما معا ؟ جوابه : بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بهذين المقصودين ظفر بأحدهما ، إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ثقة بعادة اللَّه تعالى لأنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده . وأما قوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
فالمعنى لكي تصطلون وذلك يدل على حاجة بهم إلى الاصطلاء وحينئذ لا يكون كذلك إلا في حال برد . أما قوله تعالى :
نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
ففيه أبحاث : البحث الأول :
أَنْ
أن هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول ، والمعنى قيل له بورك . البحث الثاني : اختلفوا فيمن في النار على وجوه : أحدها :
أَنْ بُورِكَ
بمعنى تبارك والنار بمعنى النور والمعنى تبارك من في النور ، وذلك هو اللَّه سبحانه
وَمَنْ حَوْلَها
يعني الملائكة وهو مروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما وإن كنا نقطع بأن هذه الرواية موضوعة مختلفة وثانيها :
مَنْ فِي النَّارِ
هو نور اللَّه ،
وَمَنْ حَوْلَها
الملائكة ، وهو مروي عن قتادة والزجاج وثالثها : أن اللَّه تعالى ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة فكانت الشجرة محلا للكلام ، واللَّه هو المكلم له بأن فعله فيه دون الشجرة . ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها ملائكة فلذلك قال :
بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها
وهو قول الجبائي ورابعها :
مَنْ فِي النَّارِ
هو موسى عليه السلام لقربه منها
مَنْ حَوْلَها
يعني الملائكة ، وهذا أقرب لأن القريب من الشيء قد يقال إنه فيه وخامسها : قول صاحب « الكشاف »
بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ
أي من في مكان النار ومن حول مكانها هي البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى :
مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ
[ القصص : 30 ] ويدل عليه قراءة أبي ( تباركت الأرض ومن حولها ) وعنه أيضا ( بوركت النار ) . البحث الثالث : السبب الذي لأجله بوركت البقعة ، وبورك من فيها وحواليها حدوث هذا الأمر العظيم فيها وهو تكليم اللَّه موسى عليه السلام وجعله رسولا وإظهار المعجزات عليه ولهذا جعل اللَّه أرض الشام موسومة بالبركات في قوله :
وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 71 ] وحقت أن تكون كذلك فهي مبعث الأنبياء صلوات اللَّه عليهم ، ومهبط الوحي وكفاتهم أحياء وأمواتا . البحث الرابع : أنه سبحانه جعل هذا القول مقدمة لمناجاة موسى عليه السلام فقوله :
بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها
يدل على أنه قد قضى أمر عظيم تنتشر البركة منه في أرض الشام كلها . وقوله :
وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فيه فائدتان : إحداهما : أنه سبحانه نزه نفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته ليكون ذلك مقدمة في صحة رسالة موسى عليه السلام الثانية : أن يكون ذلك إيذانا بأن ذلك الأمر مريده ومكونه رب العالمين تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الوقائع . أما قوله :
إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
فقال صاحب « الكشاف » الهاء في ( إنه ) يجوز أن يكون ضمير الشأن و
أَنَا اللَّهُ
مبتدأ وخبر ، و
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
صفتان للخبر ، وأن يكون راجعا إلى ما دل عليه ما قبله يعني أن