ما يعد زينة ، فإذا حملناه على الخلقة وفينا العموم حقة ، ولا يمنع دخول ما عدا الخلقة فيه أيضا الثاني : أن قوله :
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ
يدل على أن المراد بالزينة ما يعم الخلقة وغيرها فكأنه تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقتهن بأن أوجب سترها بالخمار ، وأما الذين قالوا الزينة عبارة عما سوى الخلقة فقد حصروه في أمور ثلاثة : أحدها : الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها والغمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها وثانيها : الحلي كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط .
وثالثها : الثياب قال اللَّه تعالى :
خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
[ الأعراف : 31 ] وأراد الثياب .
المسألة الثانية : اختلفوا في المراد من قوله :
إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها
أما الذين حملوا الزينة على الخلقة ، فقال القفال معنى الآية إلا ما يظهره الإنسان في العادة الجارية ، وذلك في النساء الوجه والكفان ، وفي الرجل الأطراف من الوجه واليدين والرجلين ، فأمروا بستر ما لا تؤدي / الضرورة إلى كشفه ورخص لهم في كشف ما اعتيد كشفه وأدت الضرورة إلى إظهاره إذ كانت شرائع الإسلام حنيفية سهلة سمحة ، ولما كان ظهور الوجه والكفين كالضروري لا جرم اتفقوا على أنهما ليسا بعورة ، أما القدم فليس ظهوره بضروري فلا جرم اختلفوا في أنه هل هو من العورة أم لا ؟ فيه وجهان : الأصح أنه عورة كظهر القدم ، وفي صوتها وجهان أصحهما أنه ليس بعورة ، لأن نساء النبي صلى اللَّه عليه وسلم كن يروين الأخبار للرجال ، وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فقالوا إنه سبحانه إنما ذكر الزينة لأنه لا خلاف أنه يحل النظر إليها حالما لم تكن متصلة بأعضاء المرأة ، فلما حرم اللَّه سبحانه النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة كان ذلك مبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة ، وعلى هذا القول يحل النظر إلى زينة وجهها من الوشمة والغمرة وزينة بدنها من الخضاب والخواتيم وكذا الثياب ، والسبب في تجويز النظر إليها أن تسترها فيه حرج لأن المرأة لا بد لها من مناولة الأشياء بيديها والحاجة إلى كشف وجهها في الشهادة والمحاكمة والنكاح .
المسألة الثالثة : اتفقوا على تخصيص قوله :
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها
بالحرائر دون الإماء ، والمعنى فيه ظاهر ، وهو أن الأمة مال فلا بد من الاحتياط في بيعها وشرائها ، وذلك لا يمكن إلا بالنظر إليها على الاستقصاء بخلاف الحرة .
أما قوله تعالى :
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ
فالخمر واحدها خمار ، وهي المقانع . قال المفسرون : إن نساء الجاهلية كن يشددن خمرهن من خلفهن ، وإن جيوبهن كانت من قدام فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن ، فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب ليتغطى بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط به من شعر وزينة من الحلي في الأذن والنحر وموضع العقدة منها ، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء ، والباء للإلصاق ، وعن عائشة رضي اللَّه عنها « ما رأيت خيرا من نساء الأنصار ، لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرت فأصبحن على رؤوسهن الغربان » وقرئ
جُيُوبِهِنَّ
بكسر الجيم لأجل الياء وكذلك
بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ
فأما قوله تعالى :
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ
فاعلم أنه سبحانه لما تكلم في مطلق الزينة تكلم بعد ذلك في الزينة الخفية التي نهاهن عن إبدائها للأجانب ، وبين أن هذه الزينة الخفية يجب إخفاؤها عن الكل ، ثم استثنى اثنتي عشرة صورة أحدها : أزواجهن وثانيها : آباؤهن وإن علون من جهة الذكران والإناث كآباء الآباء وآباء