تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول السلام عليكم ، وذلك لأن الدور لم يكن عليها حينئذ ستور . السؤال السادس : أن كلمة ( حتى ) للغاية والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما قبلها فقوله :
لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن فما قولكم فيه ؟ الجواب : من وجوه : أحدها : أن اللَّه تعالى جعل الغاية الاستئناس لا الاستئذان ، والاستئناس لا يحصل إلا إذا حصل الإذن بعد الاستئذان وثانيها : أنا لما علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان أن لا يدخل الإنسان على غيره بغير إذنه فإن ذلك مما يسوءه ، وعلمنا أن هذا المقصود لا يحصل إلا بعد حصول الإذن ، علمنا أن الاستئذان ما لم يتصل به الإذن وجب أن لا يكون كافيا وثالثها : أن قوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ
فحظر الدخول إلا بإذن ، فدل على أن الإذن مشروط بإباحة الدخول في الآية الأولى ، فإن قيل إذا ثبت أنه لا بد من الإذن فهل يقوم مقامه غيره أم لا ؟ قلنا روى أبو هريرة رضي اللَّه عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « رسول الرجل إلى الرجل إذنه » و عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال : « إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن » وهذا الخبر يدل على معنيين أحدهما : أن الإذن محذوف من قوله :
حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
وهو المراد منه والثاني : أن الدعاء إذن إذا جاء مع الرسول وأنه لا يحتاج إلى استئذان ثان ، وقال بعضهم إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان . السؤال السابع : ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه ؟ الجواب : قال الشافعي رحمه اللَّه : لو فقئت عينه فهي هدر ، وتمسك بما روى سهل بن سعد قال : « اطلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى اللَّه عليه وسلم ومعه مدري يحك بها رأسه فقال : لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك إنما الاستئذان قبل النظر » و روى أبو هريرة رضي اللَّه عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال : « من / اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فقد هدرت عينه » قال أبو بكر الرازي : هذا الخبر يرد لوروده على خلاف قياس الأصول ، فإنه لا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامنا وكان عليه القصاص إن كان عامدا والأرش إن كان مخطئا ، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع ، فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق ، فإن صح فمعناه : من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر ، فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي ، ثم جاء إنسان ففقأ عينه ، فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى :
الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ
إلى قوله :
وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
[ المائدة : 45 ] واعلم أن التمسك بقوله تعالى :
وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ
في هذه المسألة ضعيف ، لأنا أجمعنا على أن هذا النص مشروط بما إذا لم تكن العين مستحقة ، فإنها لو كانت مستحقة لم يلزم القصاص ، فلم قلت : إن من اطلع في دار إنسان لم تكن عينه مستحقة ؟ وهذا أول المسألة . أما قوله : إنه لو دخل لم يجز فقء عينه ، فكذا إذا نظر قلنا الفرق بين الأمرين ظاهر ، لأنه إذا دخل علم القوم دخوله عليهم فاحترزوا عنه وتستروا ، فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين بذلك فيطلع منهم على ما لا يجوز الاطلاع عليه ، فلا يبعد في حكم الشرع أن يبالغ هاهنا في الزجر حسما لباب هذه المفسدة ، وبالجملة فرد حديث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لهذا القدر من الكلام غير جائز . السؤال الثامن : لما بينتم أنه لا بد من الإذن فهل يكفي الإذن كيف كان أو لا بد من إذن مخصوص ؟
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 358 | فخر الدين الرازي