الرابع : أنه منزه عن أن لا يعاقب هؤلاء القذفة الظلمة .
السؤال الثاني : لم أوجب عليهم أن يقولوا هذا بهتان عظيم مع أنهم ما كانوا عالمين بكونه كذبا قطعا ؟
والجواب : من وجهين : الأول : أنهم كانوا متمكنين من العلم بكونه بهتانا ، لأن زوجة الرسول لا يجوز أن تكون فاجرة الثاني : أنهم لما جزموا أنهم ما كانوا ظانين له بالقلب كان إخبارهم عن ذلك الجزم كذبا ، ونظيره قوله :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
[ المنافقون : 1 ] .
[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 17 إلى 18 ]
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 17 ) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 18 )
النوع السادس [ في قوله تعالى
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
] وهذا من باب الزواجر ، والمعنى يعظكم اللَّه بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب وأن فيه الحد والنكال في الدنيا والعذاب في الآخرة ، لكي لا تعودوا إلى مثل هذا العمل أبدا وأبدهم ما داموا أحياء مكلفين ، وقد دخل تحت ذلك من قال ومن سمع فلم ينكر ، لأن حالهما سواء في أن فعلا ما لا يجوز وإن كان من أقدم عليه أعظم ذنبا ، فبين أن الغرض بما عرفهم من هذه الطريقة أن لا يعودوا إلى مثل ما تقدم منهم وهاهنا مسائل :
المسألة الأولى : استدلت المعتزلة بقوله :
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
على أن ترك القذف من الإيمان وعلى أن فعل القذف لا يبقى معه الإيمان ، لأن المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط والجواب : هذا معارض بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
[ النور : 11 ] أي منكم أيها المؤمنون فدل ذلك على أن القذف لا يوجب الخروج عن الإيمان وإذا ثبت التعارض حملنا هذه الآية على التهييج في الاتعاظ والانزجار .
المسألة الثانية : قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أنه تعالى أراد من جميع من وعظه مجانبه مثل ذلك في المستقبل وإن كان فيهم من لا يطيع ، فمن هذا الوجه تدل على أنه تعالى يريد من كلهم الطاعة وإن عصوا ، لأن قوله :
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا
معناه لكي لا تعودوا لمثله وذلك دلالة الإرادة والجواب : عنه قد تقدم مرارا .
المسألة الثالثة : هل يجوز أن يسمى اللَّه تعالى واعظا لقوله :
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا
؟ الأظهر أنه لا يجوز كما لا يجوز أن يسمى معلما لقوله :
الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ
[ الرحمن : 1 ، 2 ] .
أما قوله تعالى :
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
فالمراد من الآيات ما به يعرف المرء ما ينبغي أن يتمسك به ، ثم بين أنه لكونه عليما حكيما يؤثر بما يجب أن يبينه ويجب أن يطاع لأجل ذلك ، لأن من لا يكون عالما لا يجب قبول تكليفه ، لأنه قد يأمر بما لا ينبغي ، ولأن / المكلف إذا أطاعه فقد لا يعلم أنه أطاعه ، وحينئذ لا يبقى للطاعة فائدة ، وأما من كان عالما لكنه لا يكون حكيما فقد يأمره بما لا ينبغي فإذا أطاعه المكلف فقد يعذب المطيع وقد يثيب العاصي ، وحينئذ لا يبقى للطاعة فائدة ، وأما إذا كان عليما حكيما فإنه لا يأمر إلا بما ينبغي ولا يهمل جزاء المستحقين ، فلهذا ذكر هاتين الصفتين وخصهما بالذكر ، وهاهنا سؤالات :