وذلك من العظائم وثانيها : أنهم كانوا يتكلمون بما لا علم لهم به ، وذلك يدل على أنه لا يجوز الإخبار إلا مع العلم فأما الذي لا يعلم صدقه فالإخبار عنه كالإخبار عما علم كذبه في الحرمة ، ونظيره قوله :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
[ الإسراء : 36 ] فإن قيل ما معنى قوله :
بِأَفْواهِكُمْ
والقول لا يكون إلا بالفم ؟ قلنا معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه باللسان وهذا الإفك ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم من غير أن يحصل في القلب علم به ، كقوله :
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
[ آل عمران : 167 ] وثالثها : أنهم كانوا يستصغرون ذلك وهو من عظيم من العظائم ، ويدل على أمور ثلاثة : الأول : يدل على أن القذف من الكبائر لقوله :
وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
الثاني : نبه بقوله :
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً
على أن عظم المعصية لا يختلف بظن فاعلها وحسبانه ، بل ربما كان ذلك مؤكدا لعظمها من حيث جهل كونها عظيما ، / الثالث : الواجب على المكلف في كل محرم أن يستعظم الإقدام عليه ، إذ لا يأمن أنه من الكبائر ، وقيل لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار .
[ سورة النور ( 24 ) : آية 16 ]
وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ( 16 )
النوع الخامس [ في قوله تعالى
وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا
] وهذا من باب الآداب ، أي هلا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ، وإنما وجب عليهم الامتناع منه لوجوه : أحدها : أن المقتضى لكونهم تاركين لهذا الفعل قائم وهو العقل والدين ، ولم يوجد ما يعارضه فوجب أن يكون ظن كونهم تاركين للمعصية أقوى من ظن كونهم فاعلين لها ، فلو أنه أخبر عن صدور المعصية لكان قد رجح المرجوح على الراجح وهو غير جائز وثانيها : وهو أنه يتضمن إيذاء الرسول وذلك سبب للعن لقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
[ الأحزاب : 57 ] وثالثها : أنه سبب لإيذاء عائشة وإيذاء أبويها ومن يتصل بهم من غير سبب عرف إقدامهم عليه ، ولا جناية عرف صدورها عنهم ، وذلك حرام ورابعها : أنه إقدام على ما يجوز أن يكون سبا للضرر مع الاستغناء عنه ، والعقل يقتضي التباعد عنه لأن القاذف بتقدير كونه صادقا لا يستحق الثواب على صدقه بل يستحق العقاب لأنه أشاع الفاحشة ، وبتقدير كونه كاذبا فإنه فيه يستحق العقاب العظيم ، ومثل ذلك مما يقتضي صريح العقل الاحتراز عنه وخامسها : أنه تضييع للوقت بما لا فائدة فيه ،
وقال عليه الصلاة والسلام : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه »
وسادسها : أن في إظهار محاسن الناس وستر مقابحهم تخلقا بأخلاق اللَّه تعالى ،
وقال عليه السلام : « تخلقوا بأخلاق اللَّه »
فهذه الوجوه توجب على العاقل أنه إذا سمع القذف أن يسكت عنه وأن يجتهد في الاحتراز عن الوقوع فيه ، فإن قيل كيف جاز الفصل بين لولا وبين قلتم بالظرف ؟ قلنا الفائدة فيه أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به .
أما قوله :
سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ
ففيه سؤالان :
السؤال الأول : كيف يليق سبحانك بهذا الموضع ؟ الجواب : من وجوه : الأول : المراد منه التعجب من عظم الأمر ، وإنما استعمل في معنى التعجب لأنه يسبح اللَّه عند رؤية العجيب من صانعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه الثاني : المراد تنزيه اللَّه تعالى عن أن تكون زوجة نبيه فاجرة الثالث : أنه منزه عن أن يرضى