الأول : الدلائل العقلية الدالة على أنه لا يجوز من اللَّه أن يفعل ذلك . الثاني : أنه قال :
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ
ولو كان اللَّه خلق الضلال فيهم لم يكن لفعل السامري فيه أثر وكان يبطل قوله :
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ
وأيضا فلأن موسى عليه السلام لما طالبهم بذكر سبب تلك الفتنة قال :
أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ
فلو حصل ذلك بخلق اللَّه تعالى لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن اللَّه خلقه فينا لا ما ذكرت فكان يبطل تقسيم موسى عليه السلام وأيضا فقال :
أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ
ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن يغضب عليهم فيما هو الخالق له ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله :
فَتَنَّا
معنى آخر وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان . يقال : فتنت الذهب بالنار إذا امتحنته بالنار لكي يتميز الجيد من الرديء فههنا شدد اللَّه التكليف عليهم وذلك لأن السامري لما أخرج لهم ذلك العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أن لها إلها ليس بجسم وحينئذ يعرفون أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديدا في التكليف فكان فتنة والتشديد في التكليف موجود قال تعالى :
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
[ العنكبوت : 2 ] هذا تمام كلام المعتزلة قال الأصحاب : ليس في ظهور صوت عن عجل متخذ من الذهب شبهة أعظم مما في الشمس والقمر والدليل الذي ينفي كون الشمس والقمر إلها أولى بأن ينفي كون ذلك العجل إلها فحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديدا في التكليف فلا يصح حمل الآية عليه فوجب حمله على خلق الضلال / فيهم ، قولهم : أضاف الإضلال إلى السامري قلنا : أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها هو اللَّه تعالى فكذا هاهنا وأيضا قرئ وأضلهم السامري أي وأشدهم ضلالا السامري وعلى هذا لا يبقى للمعتزلة الاستدلال ، ثم الذي يحسم مادة الشغب التمسك بفصل الداعي على ما سبق تقريره في هذا الكتاب مرارا كثيرة .
المسألة الثانية : المراد بالقوم هاهنا هم الذين خلفهم مع هارون عليه السلام على ساحل البحر وكانوا ستمائة ألف افتتنوا بالعجل غير اثني عشر ألفا .
المسألة الثالثة : قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما في رواية سعيد بن جبير : كان السامري علجا من أهل كرمان وقع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر والذي عليه الأكثرون أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة ، قال الزجاج وقال عطاء عن ابن عباس : بل كان رجلا من القبط جارا لموسى عليه السلام وقد آمن به .
المسألة الرابعة : روى في القصة أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا :
قد أكملنا العدة ثم كان أمر العجل بعد ذلك والتوفيق بين هذا وبين قوله لموسى عند مقدمه :
فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ
من وجهين . الأول : أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ الموجودة الكائنة على عادته . الثاني : أن السامري شرع في تدبير الأمر لما غاب موسى عليه السلام وعزم على إضلالهم حال مفارقة موسى عليه السلام وكأنه قدر الفتنة موجودة .
المسألة الخامسة : إنما رجع موسى عليه السلام بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة .
المسألة السادسة : ذكروا في الأسف وجوها . أحدها : أنه شدة الغضب وعلى هذا التقدير لا يلزم التكرار لأن قوله : غضبان يفيد أصل الغضب وقوله : أسفا يفيد كماله . وثانيها : قال الأكثرون حزنا وجزعا يقال أسف