تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
ثلاثة . أحدها : المراد منه الاستمرار على تلك الطريقة إذا المهتدي في الحال لا يكفيه ذلك في الفوز بالنجاة حتى يستمر عليه في المستقبل ويموت عليه ويؤكده قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا *
[ فصلت : 30 ] وكلمة ثم للتراخي في هذه الآية وليست لتباين المرتبتين بل لتباين الوقتين فكأنه تعالى قال : الإتيان بالتوبة والإيمان والعمل الصالح مما قد يتفق لكل أحد ولا صعوبة في ذلك إنما الصعوبة في المداومة على ذلك والاستمرار عليه . وثانيها : المراد من قوله :
ثُمَّ اهْتَدى
أي علم أن ذلك بهداية اللَّه وتوفيقه وبقي مستعينا باللَّه في إدامة ذلك من غير تقصير ، عن ابن عباس . وثالثها : المراد من الإيمان الاعتقاد المبني على الدليل والعمل الصالح إشارة إلى أعمال الجوارح بقي بعد ذلك ما يتعلق بتطهير القلب من الأخلاق الذميمة وهو المسمى بالطريقة في لسان الصوفية ، ثم انكشاف حقائق الأشياء له وهو المسمى بالحقيقة في / لسان الصوفية فهاتان المرتبتان هما المرادتان بقوله :
ثُمَّ اهْتَدى
. المسألة العاشرة : منهم من قال : تجب التوبة عن الكفر أولا ثم الإتيان بالإيمان ثانيا واحتج عليه بهذه الآية فإنه تعالى قدم التوبة على الإيمان ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن العمل الصالح غير داخل في الإيمان لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 83 إلى 84 ]

وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ( 83 ) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ( 84 ) اعلم أن في قوله :
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى
دلالة على أنه قد تقدم قومه في المسير إلى المكان ويجب أن يكون المراد ما نبه عليه في قوله تعالى :
وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ
[ طه : 80 ] في هذه السورة ، وفي سائر السور كقوله :
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً
[ الأعراف : 142 ] يريد الميقات عند الطور وعلى الآية سؤالات : السؤال الأول : قوله :
وَما أَعْجَلَكَ
استفهام وهو على اللَّه محال . الجواب : أنه إنكار في صيغة الاستفهام ولا امتناع فيه . السؤال الثاني : أن موسى عليه السلام لا يخلو إما أن يقال إنه كان ممنوعا عن ذلك التقدم أو لم يكن ممنوعا عنه ، فإن كان ممنوعا كان ذلك التقدم معصية فيلزم وقوع المعصية من الأنبياء ، وإن قلنا إنه ما كان ممنوعا كان ذلك الإنكار غير جائز من اللَّه تعالى . والجواب : لعله عليه السلام ما وجد نصا في ذلك إلا أنه باجتهاده تقدم فأخطأ في ذلك الاجتهاد فاستوجب العتاب . السؤال الثالث : قال :
وَعَجِلْتُ
والعجلة مذمومة . والجواب : إنها ممدوحة في الدين . قال تعالى :
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
[ آل عمران : 133 ] . السؤال الرابع : قوله :
لِتَرْضى
يدل على أنه عليه السلام إنما فعل ذلك لتحصيل الرضا للَّه تعالى وذلك باطل من وجهين . أحدهما : أنه يلزم تجدد صفة اللَّه تعالى ، والآخر أنه تعالى قبل حصول ذلك الرضا وجب أن يقال : إنه تعالى ما كان راضيا عن موسى لأن تحصيل الحاصل محال ، ولما لم يكن راضيا عنه وجب أن يكون ساخطا عليه ، وذلك لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام . الجواب : المراد تحصيل دوام الرضا كما أن قوله :