تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
وحسرة ، لأنهم ما وقعوا في ذلك العذاب إلا بسببهم والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب « 1 » . وثانيها : أن القوم قدروا أنهم يشفعون لهم في الآخرة في دفع العذاب ، فإذا وجدوا الأمر على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم . وثالثها : أن إلقاءها في النار يجري مجرى الاستهزاء بعبادها . ورابعها : قيل ما كان منها حجرا أو حديدا يحمى ويلزق بعبادها ، وما كان خشبا يجعل جمرة يعذب بها صاحبها . أما قوله تعالى :
حَصَبُ جَهَنَّمَ
فالمراد يقذفون في نار جهنم فشبههم بالحصباء التي يرمى بها الشيء فلما رمى بها كرمي الحصباء ، جعلهم حصب جهنم تشبيها ، قال صاحب « الكشاف » : الحصب الرمي وقرئ بسكون الصاد وصفا بالمصدر ، وقرئ حطب وحضب بالضاد المنقوطة متحركا وساكنا . أما قوله تعالى :
أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ
فإنما جاز مجيء اللام في لها لتقدمها على الفعل تقول أنت لزيد ضارب كقوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ *
[ المؤمنون : 8 ]
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ *
[ المؤمنون : 5 ] أي أنتم فيها داخلون ، والمعنى أنه لا بد وأن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها . أما قوله تعالى :
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها
فاعلم أن قوله :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
بالأصنام أليق لدخول لفظة ما ، وهذا الكلام بالشياطين أليق لقوله هؤلاء ويحتمل أن يريد / الشياطين والأصنام فيغلب بأن يذكروا بعبارة العقلاء ، ونبه اللَّه تعالى على أن من يرمى إلى النار لا يمكن أن يكون إلها . وهاهنا سؤال : وهو أن قوله :
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها
لكنهم وردوها فهم ليسوا آلهة حجة ، وهذه الحجة إما أن يكون ذكرها لنفسه أو لغيره ، فإن ذكرها لنفسه فلا فائدة فيه لأنه كان عالما بأنها ليست آلهة وإن ذكرها لغيره ، فإما أن يذكرها لمن يصدق بنبوته أو لمن يكذب بنبوته ، فإن ذكرها لمن صدق بنبوته فلا حاجة إلى هذه الحجة لأن كل من صدق بنبوته لم يقل بإلهية هذه الأصنام وإن ذكرها لمن يكذب بنبوته ، فذلك المكذب لا يسلم أن تلك الآلهة يردون النار ويكذبونه في ذلك ، فكان ذكر هذه الحجة ضائعا كيف كان ، وأيضا فالقائلون بآلهيتها لم يعتقدوا فيها كونها مدبرة للعالم وإلا لكانوا مجانين ، بل اعتقدوا فيها كونها تماثيل الكواكب أو صور الشفعاء ، وذلك لا يمنع من دخولها في النار . وأجيب عن ذلك بأن المفسرين قالوا : المعنى لو كان هؤلاء يعني الأصنام آلهة على الحقيقة ما وردوها أي ما دخل عابدوها النار ، ثم إنه سبحانه وصف ذلك العذاب بأمور ثلاثة : أحدها : الخلود فقال :
وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ
يعني العابدين والمعبودين وهو تفسير لقوله :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
. وثانيها : قوله :
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ
قال الحسن : الزفير هو اللهيب ، أي يرتفعون بسبب لهب النار حتى إذا ارتفعوا ورجوا الخروج ضربوا بمقامع الحديد فهووا إلى أسفلها سبعين خريفا ، قال الخليل : الزفير أن يملأ الرجل صدره غما ثم يتنفس قال أبو مسلم وقوله لهم : عام لكل معذب ، فنقول لهم : زفير من شدة ما ينالهم والضمير في قوله :
وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ
يرجع إلى المعبودين أي لا يسمعون صراخهم وشكواهم . ومعناه : أنهم لا يغيثونهم وشبهه سمع اللَّه لمن حمده أي أجاب اللَّه دعاءه . وثالثها : قوله :
وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ
وفيه وجهان : أحدهما : أنه محمول على الأصنام خاصة على ما حكيناه عن أبي مسلم . والثاني : أنها محمولة على الكفار ، ثم هذا يحتمل ثلاثة أوجه . أحدها : أن الكفار يحشرون صما كما يحشرون عميا زيادة في عذابهم .
هامش
( 1 ) قال أبو الطيب المتنبي في هذا المعنى :واحتمال الأذى ورؤية جالي * ه غذاء تضوى به الأجسام