تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
فأفحمه ثم تلا عليهم :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
الآية فأقبل عبد اللَّه بن الزبعري فرآهم يتهامسون فقال : فيم خوضكم ؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال عبد اللَّه أما واللَّه لو وجدته لخصمته فدعوه ، فقال ابن الزبعري أأنت قلت ذلك ؟ قال نعم ، قال قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيرا والنصارى عبدوا المسيح وبنوا مليح عبدوا الملائكة « 1 » ثم روي في ذلك روايتان : إحداها : أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سكت ولم يجب فضحك القوم فنزل قوله تعالى :
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
[ الزخرف : 57 ، 58 ] ونزل في عيسى والملائكة :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى
[ الأنبياء : 101 ] الآية هذا قول ابن عباس . الرواية الثانية : أنه عليه السلام أجاب وقال بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك فأنزل اللَّه سبحانه :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى
[ الأنبياء : 101 ] الآية يعني عزيرا والمسيح والملائكة واعلم أن سؤال ابن الزبعري ساقط من وجوه : أحدها : أن قوله :
إِنَّكُمْ
خطاب مشافهة وكان ذلك مع مشركي مكة وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط . وثانيها : أنه لم يقل ومن تعبدون بل قال ما تعبدون وكلمة ما لا تتناول العقلاء . أما قوله تعالى :
وَالسَّماءِ وَما بَناها
[ الشمس : 5 ] وقوله :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
[ الكافرون : 2 ] فهو محمول على الشيء ونظيره هاهنا أن يقال : إنكم والشيء الذي تعبدون من دون اللَّه لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم فلا يتوجه سؤال ابن الزبعري . وثالثها : أن من عبد الملائكة لا يدعي أنهم آلهة ، وقال سبحانه :
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها
. ورابعها : هب أنه ثبت العموم لكنه / مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح وعزير لبراءتهم من الذنوب والمعاصي ، ووعد اللَّه إياهم بكل مكرمة ، وهذا هو المراد من قوله سبحانه :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
[ الأنبياء : 101 ] . وخامسها : الجواب الذي ذكره رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهو أنهم كانوا يعبدون الشياطين ، فإن قيل الشياطين عقلاء ، ولفظ ما لا يتناولهم فكيف قال الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ذلك ؟ قلنا كأنه عليه السلام قال : لو ثبت لكم أنه يتناول العقلاء فسؤالكم أيضا غير لازم من هذا الوجه . وأما ما قيل : إنه عليه السلام سكت عند إيراد ابن الزبعري هذا السؤال فهو خطأ لأنه لا أقل من أنه عليه السلام كان يتنبه لهذه الأجوبة التي ذكرها المفسرون ، لأنه عليه السلام كان أعلم منهم باللغة وبتفسير القرآن ، فكيف يجوز أن تظهر هذه الأجوبة لغيره ، ولا يظهر شيء منها له عليه السلام . فإن قيل : جوزوا أن يسكت عليه السلام انتظارا للبيان قلنا : لما كان البيان حاضرا معه لم يجز عليه السكوت لكي لا يتوهم فيه الانقطاع عن سؤالهم ، ومن الناس من أجاب عن سؤال ابن الزبعري فقال : إن اللَّه تعالى يصور لهم في النار ملكا على صورة من عبدوه ، وحينئذ تبقى الآية على ظاهرها واعلم أن هذا ضعيف من وجهين . الأول : أن القوم لم يعبدوا تلك الصورة وإنما عبدوا شيئا آخر لم يحصل معهم في النار . الثاني : وهو أن الملك لا يصير حصب جهنم في الحقيقة وإن صح أن يدخلها ، فإن خزنة النار يدخلونها مع أنهم ليسوا حصب جهنم . المسألة الثانية : الحكمة في أنهم قرنوا بآلهتهم أمور . أحدها : أنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غم
هامش
( 1 ) لهذا الخبر تتمة ، وهي أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم رد على ابن الزبعري حينئذاك بقوله : « ما أجهلك بلغة قومك ! ما لما لا يعقل ، أي أن العرب جعلوا من للعقلاء وما لغيرهم وعزير والأنبياء والملائكة من العقلاء فلا يشار إليهم بما .