تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
أما قوله تعالى :
فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
فالمراد بالأهل هاهنا أهل دينه ، وفي تفسير الكرب وجوه : أحدها : أنه العذاب النازل بالكفار وهو الغرق وهو قول أكثر المفسرين . وثانيها : أنه تكذيب قومه إياه وما لقي منهم من الأذى . وثالثها : أنه مجموع الأمرين وهو قول ابن عباس رضي اللَّه عنهما وهو الأقرب لأنه عليه السلام كان قد دعاهم إلى اللَّه تعالى مدة طويلة وكان قد ينال منهم كل مكروه ، وكان الغم يتزايد بسبب ذلك وعند إعلام اللَّه تعالى إياه أنه يغرقهم وأمره باتخاذ الفلك كان أيضا على غم وخوف من حيث لم يعلم من الذي يتخلص / من الغرق ومن الذي يغرق فأزال اللَّه تعالى عنه الكرب العظيم بأن خلصه من جميع ذلك وخلص جميع من آمن به معه . أما قوله تعالى :
وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ
فقراءة أبي بن كعب ونصرناه على القوم ثم قال المبرد : تقديره ونصرناه من مكروه القوم ، وقال تعالى :
فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ
[ غافر : 29 ] أي يعصمنا من عذابه ، قال أبو عبيدة : من بمعنى على . وقال صاحب « الكشاف » : إنه نصر الذي مطاوعه انتصر وسمعت هذليا يدعو على سارق : اللهم انصرهم منه ، أي اجعلهم منتصرين منه . أما قوله تعالى :
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ
فالمعنى أنهم كانوا قوم سوء لأجل ردهم عليه وتكذيبهم له
فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ
، فبين ذلك الوجه الذي به خلصه منهم .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 78 إلى 82 ]

وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ( 78 ) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ( 80 ) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ( 81 ) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ( 82 )

القصة الخامسة ، قصة داود وسليمان عليهما السلام

[ في قوله تعالى
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ
إلى قوله
آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
] اعلم أن قوله تعالى : وداود وسليمان وأيوب وزكريا وذا النون ، كله نسق على ما تقدم من قوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ
[ الأنبياء : 51 ] ومن قوله :
وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
[ الأنبياء : 74 ] واعلم أن المقصود ذكر نعم اللَّه تعالى على داود وسليمان فذكر أولا النعمة المشتركة بينهما ، ثم ذكر ما يختص به كل / واحد منهما من النعم . أما النعمة المشتركة فهي القصة المذكورة وهي قصة الحكومة ، ووجه النعمة فيها أن اللَّه تعالى زينهما بالعلم . والفهم في قوله :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
ثم في هذا تنبيه على أن العلم أفضل الكمالات وأعظمها ، وذلك لأن اللَّه تعالى قدم ذكره هاهنا على سائر النعم الجليلة مثل تسخير الجبال والطير والريح والجن . وإذا كان العلم مقدما على أمثال هذه الأشياء فما ظنك بغيرها وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن السكيت النفش أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا راع ، وهذا قول جمهور المفسرين ، وعن الحسن أنه يجوز ذلك ليلا ونهارا .