السؤال الرابع : أفيجوز ما قيل من أنه كان في النار أنعم عيشا منه في سائر أحواله . والجواب : لا يمتنع ذلك لما فيه من مزيد النعمة عليه وكمالها ، ويجوز أن يكون إنما صار أنعم / عيشا هناك لعظم ما ناله من السرور بخلاصه من ذلك الأمر العظيم ولعظم شروره بظفره بأعدائه وبما أظهره من دين اللَّه تعالى .
أما قوله تعالى :
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ
أي أرادوا أن يكيدوه فما كانوا إلا مغلوبين ، غالبوه بالجدال فلقنه اللَّه تعالى الحجة المبكتة ، ثم عدلوا القوة والجبروت فنصره وقواه عليهم ، ثم إنه سبحانه أتم النعمة عليه بأن نجاه ونجى لوطا معه وهو ابن أخيه وهو لوط بن هاران إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين .
و
في الأخبار أن هذه الواقعة كانت في حدود بابل فنجاه اللَّه تعالى من تلك البقعة إلى الأرض المباركة ،
ثم قيل :
إنها مكة وقيل أرض الشام لقوله تعالى :
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ
[ الإسراء : 1 ] والسبب في بركتها ، أما في الدين فلأن أكثر الأنبياء عليهم السلام بعثوا منها وانتشرت شرائعهم وآثارهم الدينية فيها ، وأما في الدنيا فلأن اللَّه تعالى بارك فيها بكثرة الماء والشجر والثمر والخصب وطيب العيش ، وقيل : ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس .
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 72 إلى 73 ]
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ ( 72 ) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ ( 73 )
اعلم أنه تعالى بعد ذكره لإنعامه على إبراهيم وعلى لوط بأن نجاهما إلى الأرض المباركة أتبعه بذكر غيره من النعم ، وإنما جمع بينهما لأن في كون لوط معه مع ما كان بينهما من القرابة والشركة في النبوة مزيد إنعام ، ثم إنه سبحانه ذكر النعم التي أفاضها على إبراهيم عليه السلام ثم النعم التي أفاضها على لوط ، أما الأول فمن وجوه : أحدها :
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً
واعلم أن النافلة العطية خاصة وكذلك النفل ويسمى الرجل الكثير العطايا نوفلا ، ثم للمفسرين هاهنا قولان : الأول : أنه هاهنا مصدر من وهبنا له مصدر من غير لفظه ولا فرق بين ذلك وبين قوله :
وَوَهَبْنا لَهُ
هبة أي وهبناهما له عطية وفضلا من غير أن يكون جزاء مستحقا ، وهذا قول مجاهد وعطاء . والثاني : وهو قول أبي بن كعب وابن عباس وقتادة والفراء والزجاج : أن إبراهيم عليه السلام لما سأل اللَّه ولدا قال :
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
[ الصافات : 100 ] فأجاب اللَّه دعاءه : ووهب له إسحاق وأعطاه يعقوب من غير دعائه فكان ذلك :
نافِلَةً
كالشئ المتطوع به من الآدميين فكأنه قال : ووهبنا له إسحاق إجابة لدعائه : ووهبنا له يعقوب نافلة على ما سأل كالصلاة النافلة التي هي زيادة على الفرض وعلى هذا النافلة يعقوب خاصة .
والوجه الأول : أقرب لأنه تعالى جمع بينهما ، ثم ذكر قوله :
نافِلَةً
فإذا صلح أن يكون وصفا لهما فهو أولى .
النعمة الثانية : قوله تعالى :
وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ
أي وكلا من إبراهيم وإسحاق ويعقوب أنبياء مرسلين ، هذا قول الضحاك وقال آخرون عاملين بطاعة اللَّه عز وجل مجتنبين محارمه .
والوجه الثاني : أقرب لأن لفظ الصلاح يتناول الكل لأنه سبحانه قال بعد هذه الآية :
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ