تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا
أي على ما التزموه من شرائع الإسلام
بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي يجزيهم على أحسن أعمالهم ، وذلك لأن المؤمن قد يأتي بالمباحات وبالمندوبات وبالواجبات ولا شك أنه على فعل المندوبات والواجبات يثاب لا على فعل المباحات ، فلهذا قال :
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
ثم إنه تعالى رغب المؤمنين في القسم الثاني وهو الإتيان بكل ما كان من شرائع الإسلام فقال :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : لفظة « من » في قوله :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً
تفيد العموم فما الفائدة في ذكر الذكر والأنثى ؟ والجواب : أن هذه الآية للوعد بالخيرات والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم والرحمة إثباتا للتأكيد وإزالة لوهم التخصيص . السؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على أن الأيمان مغاير للعمل الصالح ؟ والجواب : نعم لأنه تعالى جعل الإيمان شرطا في كون العمل الصالح موجبا للثواب . وشرط الشيء مغاير لذلك الشيء . السؤال الثالث : ظاهر الآية يقتضي أن العمل الصالح إنما يفيد الأثر بشرط الإيمان ، فظاهر قوله :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
يدل على أن العمل الصالح يفيد الأثر سواء كان مع الإيمان أو كان مع عدمه . والجواب : أن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان ، أما إفادته لأثر غير هذه الحياة الطيبة وهو تخفيف العقاب فإنه لا يتوقف على الإيمان . السؤال الرابع : هذه الحياة الطيبة تحصل في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة . والجواب فيه ثلاثة أقوال : القول الأول : قال القاضي : الأقرب أنها تحصل في الدنيا بدليل أنه تعالى أعقبه بقوله :
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
ولا شبهة في أن المراد منه ما يكون في الآخرة . ولقائل أن يقول : لا يبعد أن يكون المراد من الحياة الطيبة ما يحصل في الآخرة ، ثم إنه مع ذلك وعدهم اللّه على أنه إنما يجزيهم على ما هو أحسن أعمالهم فهذا لا امتناع فيه . فإن قيل : بتقدير أن تكون هذه الحياة الطيبة إنما تحصل في الدنيا فما هي ؟ والجواب : ذكروا فيه وجوها قيل : هو الرزق الحلال الطيب ، وقيل : عبادة اللّه مع أكل الحلال ، وقيل : القناعة ، وقيل : رزق يوم بيوم كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول في دعائه : « قنعني بما رزقتني » و عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه كان يدعو : « اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا » قال الواحدي وقول من يقول : إن القناعة حسن مختار لأنه لا يطيب عيش أحد في الدنيا إلا عيش القانع وأما الحريص فإنه يكون أبدا في الكد والعناء . واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه : الأول : أنه لما عرف أن رزقه إنما حصل
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 267 | فخر الدين الرازي