تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
يلتزمه الإنسان باختياره ويدخل فيه المبايعة على الإيمان باللّه وبرسوله ويدخل فيه عهد الجهاد ، وعهد الوفاء بالملتزمات من المنذورات ، والأشياء التي أكدها بالحلف واليمين ، وفي قوله :
وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها
مباحث : البحث الأول : قال الزجاج : يقال وكدت وأكدت لغتان جيدتان ، والأصل الواو ، والهمزة بدل منها . البحث الثاني : قال أصحاب أبي حنيفة رحمه اللّه : يمين اللغو هي يمين الغموس ، والدليل عليه أنه تعالى قال :
وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها
فنهى في هذه الآية عن نقض الأيمان ، فوجب أن يكون كل يمين قابلا للبر والحنث ، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث فوجب أن لا تكون من الأيمان . واحتج الواحدي بهذه الآية على أن يمين اللغو هي قول العرب لا واللّه وبلى واللّه . قال إنما قال تعالى :
بَعْدَ تَوْكِيدِها
للفرق بين الأيمان المؤكدة بالعزم وبالعقد وبين لغو اليمين . البحث الثالث : قوله :
وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها
عام دخله التخصيص ، لأنا بينا / أن الخبر دل على أنه متى كان الصلاح في نقض الأيمان جاز نقضها . ثم قال :
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
هذه واو الحال ، أي لا تنقضوها وقد جعلتم اللّه كفيلا عليكم بالوفاء ، وذلك أن من حلف باللّه تعالى فكأنه قد جعل اللّه كفيلا بالوفاء بسبب ذلك الحلف . ثم قال :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
وفيه ترغيب وترهيب ، والمراد فيجازيكم على ما تفعلون إن خيرا فخير وإن شرا فشر . ثم إنه تعالى أكد وجوب الوفاء ، وتحريم النقض وقال :
وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً
وفيه مسائل : المسألة الأولى : في المشبه به قولان : القول الأول : أنها امرأة من قريش يقال لها رايطة ، وقيل ريطة ، وقيل تلقب جعراء وكانت حمقاء تغزل الغزل هي وجواريها فإذا غزلت وأبرمت أمرتهن فنقضن ما غزلن . والقول الثاني : أن المراد بالمثل الوصف دون التعيين ، لأن القصد بالأمثال صرف المكلف عنه إذا كان قبيحا ، والدعاء إليه إذا كان حسنا ، وذلك يتم به من دون التعيين . المسألة الثانية : قوله :
مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ
أي من به قوة الغزل بابرامها وفتلها . المسألة الثالثة : قوله :
أَنْكاثاً
قال الأزهري : واحدها : نكث وهو الغزل من الصوف والشعر يبرم وينسج فإذا أحكمت النسيجة قطعتها ونكثت خيوطها المبرمة ونفشت تلك الخيوط وخلطت بالصوف ثم غزلت ثانية ، والنكث المصدر ، ومنه يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه . المسألة الرابعة : في انتصاب قوله :
أَنْكاثاً
وجوه : الأول : قال الزجاج : أنكاثا منصوب لأنه بمعنى المصدر لأن معنى نكثت نقضت ومعنى نقضت نكثت ، وهذا غلط منه ، لأن الأنكاث جمع نكث وهو اسم لا مصدر فكيف يكون قوله :
أَنْكاثاً
بمعنى المصدر ؟ الثاني : قال الواحدي : أنكاثا مفعول ثان كما تقول كسره