تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
ولما ذكر اللّه تعالى هذا الكلام أتبعه بقوله :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : في المراد بأهل الذكر وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : يريد أهل التوراة ، والذكر هو التوراة . والدليل عليه قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ
[ الأنبياء : 105 ] يعني التوراة . الثاني : قال الزجاج : فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب اللّه تعالى ، فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر ، والثالث : أهل الذكر أهل العلم بأخبار الماضين ، إذ العالم بالشيء يكون ذاكرا له . والرابع : قال الزجاج : معناه سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق . وأقول : الظاهر أن هذه الشبهة وهي قولهم : اللّه أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدا من البشر إنما تمسك بها كفار مكة ، ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم اللّه بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود والنصارى ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها ، فإن اليهودي والنصراني لا بد لهما من تزييف هذه الشبهة وبيان سقوطها . المسألة الثانية : اختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد ؟ منهم من حكم بالجواز / واحتج بهذه الآية فقال : لما لم يكن أحد المجتهدين عالما وجب عليه الرجوع إلى المجتهد الآخر الذي يكون عالما لقوله تعالى :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
فإن لم يجب فلا أقل من الجواز . المسألة الثالثة : احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : المكلف إذا نزلت به واقعة فإن كان عالما بحكمها لم يجز له القياس ، وإن لم يكن عالما بحكمها وجب عليه سؤال من كان عالما بها لظاهر هذه الآية ، ولو كان القياس حجة لما وجب عليه سؤال العالم لأجل أنه يمكنه استنباط ذلك الحكم بواسطة القياس ، فثبت أن تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل بظاهر هذه الآية فوجب أن لا يجوز . واللّه أعلم . وجوابه : أن ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع الصحابة ، والإجماع أقوى من هذا الدليل ، واللّه أعلم . ثم قال تعالى :
بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ
وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا في الجالب لهذه الباء وجوها : الأول : أن التقدير : وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا يوحى إليهم ، وأنكر الفراء ذلك وقال : إن صلة ما قبل إلا لا يتأخر إلى بعد ، والدليل عليه : أن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته ، فما لم يصر هذا المجموع مذكورا بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه . الثاني : أن التقدير : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم بالبينات والزبر ، وعلى هذا التقدير فقوله :
بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ
متعلق بالمستثنى . والثالث : أن الجالب لهذا الباء محذوف ، والتقدير أرسلناهم بالبينات وهذا قول الفراء . قال : ونظيره ما مر إلا أخوك بزيد ما مر إلا أخوك ثم يقول مر بزيد . الرابع : أن يقال : الذكر بمعنى العلم ، والتقدير فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر إن كنتم لا تعلمون . الخامس : أن يكون التقدير : إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر فاسألوا أهل الذكر . المسألة الثانية : قوله تعالى :
بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ
لفظة جامعة لكل ما تكامل به الرسالة ، لأن مدار أمرها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات وعلى التكاليف التي يبلغها الرسول من اللّه تعالى إلى العباد وهي الزبر . ثم قال تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
وفيه مسائل :
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 211 | فخر الدين الرازي