قلنا : نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف والأصوات ، ونحن نقول بكونه محدثا مخلوقا . واللّه أعلم .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 41 إلى 42 ]
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 )
[ في قوله تعالى
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
] اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا باللّه جهد أيمانهم على إنكار البعث والقيامة دل ذلك على أنهم تمادوا في الغي ، والجهل ، والضلال ، وفي مثل هذه الحالة لا يبعد إقدامهم على إيذاء المسلمين وضرهم ، وإنزال العقوبات بهم ، وحينئذ يلزم على المؤمنين أن يهاجروا عن تلك الديار والمساكن ، فذكر تعالى في هذه الآية حكم تلك الهجرة وبين ما لهؤلاء المهاجرين من الحسنات في الدنيا ، والأجر في الآخرة من حيث هاجروا وصبروا وتوكلوا على اللّه ، وذلك ترغيب لغيرهم في طاعة اللّه تعالى . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما :
نزلت هذه الآية في ستة من الصحابة صهيب وبلال وعمار وخباب وعابس وجبير موليين لقريش فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام ، أما صهيب فقال لهم : أنا رجل كبير إن كنت لكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله فلما رآه أبو بكر قال : ربح البيع يا صهيب ، وقال عمر : نعم الرجل صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه ، وهو ثناء عظيم يريد لو لم يخلق اللّه النار لأطاعه فكيف ظنك به وقد خلقها ؟ وأما سائرهم فقد قالوا بعض ما أراد أهل مكة من كلمة الكفر والرجوع عن الإسلام فتركوا عذابهم ، ثم هاجروا فنزلت هذه الآية ، وبين اللّه تعالى بهذه الآية عظم محل الهجرة ، ومحل المهاجرين فالوجه فيه ظاهر ، لأن بسبب هجرتهم ظهرت قوة الإسلام ، كما أن بنصرة الأنصار قويت شوكتهم ، ودل تعالى بقوله :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ
أن الهجرة إذا لم تكن للّه لم يكن لها موقع ، وكانت بمنزلة الانتقال من بلد إلى بلد ، وقوله :
مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
معناه أنهم كانوا مظلومين في أيدي الكفار ، لأنهم كانوا يعذبونهم .
ثم قال :
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
وفيه وجوه : الأول : أن قوله :
حَسَنَةً
صفة للمصدر من قوله :
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا
والتقدير : لنبوئنهم تبوئة حسنة ،
وفي قراءة علي عليه السلام : ( لنبوئنهم إبواءة حسنة ) .
الثاني : لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم ، وعلى العرب قاطبة ، وعلى أهل المشرق والمغرب ، وعن عمر أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال : خذ بارك اللّه لك فيه هذا ما وعدك اللّه في الدنيا وما ذخر لك في الآخرة أكبر .
والقول الثالث : لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدينة حيث آواهم أهلها ونصروهم ، وهذا قول الحسن والشعبي وقتادة ، والتقدير : لنبوئنهم في الدنيا دارا حسنة أو بلدة حسنة يعني المدينة .
ثم قال تعالى :
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ
وأعظم وأشرف ،
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
والضمير إلى من يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه عائد إلى الكفار ، أي لو علموا أن اللّه تعالى يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدنيا والآخرة لرغبوا في دينهم . والثاني : أنه راجع إلى المهاجرين ، أي لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم .