القول الأول : أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت ، قال ابن عباس : أسلموا وأقروا للّه بالعبودية عند الموت . وقوله :
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
أي قالوا ما كنا نعمل من سوء ! والمراد من هذا السوء الشرك ، فقالت الملائكة ردا عليهم وتكذيبا : بلى إن اللّه عليم بما كنتم تعملون من التكذيب والشرك ، ومعنى بلى ردا لقولهم :
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
وفيه قولان :
القول الأول : أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت .
والقول الثاني : أنه تم الكلام عند قوله :
ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
ثم عاد الكلام إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة ، والمعنى : أنهم يوم القيامة ألقوا السلم وقالوا ما كنا نعمل في الدنيا من سوء ، ثم هاهنا اختلفوا ، فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة ، قالوا : هذا القول منهم على سبيل الكذب / وإنما أقدموا على هذا الكذب لغاية الخوف ، والذين قالوا إن الكذب لا يجوز عليهم قالوا : معنى الآية ، ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا أو في اعتقادنا ، وأما بيان أن الكذب على أهل القيامة هل يجوز أم لا ؟ فقد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا : ما كنا نعمل من سوء قال بلى إن اللّه عليم بما كنتم تعملون ، ولا يبعد أن يكون قائل هذا القول هو اللّه تعالى أو بعض الملائكة ردا عليهم وتكذيبا لهم ، ومعنى بلى الرد لقولهم :
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
وقوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
يعني أنه عالم بما كنتم عليه في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب فإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم . ثم صرح بذكر العقاب فقال :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 29 ]
فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 29 )
وهذا يدل على تفاوت منازلهم في العقاب ، فيكون عقاب بعضهم أعظم من عقاب بعض ، وإنما صرح تعالى بذكر الخلود ليكون الغم والحزن أعظم .
ثم قال :
فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
على قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء ، وتفسير التكبر قد مر في هذا الكتاب غير مرة . واللّه أعلم .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 30 إلى 32 ]
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ( 30 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ( 31 ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 32 )
[ في قوله تعالى
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا
] اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الأقوام الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا : أساطير الأولين . وذكر أنهم يحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم ، وذكر أن الملائكة تتوفاهم ظالمي أنفسهم ، وذكر أنهم في الآخرة يلقون السلم ، وذكر أنه تعالى يقول لهم ادخلوا أبواب جهنم ، أتبعه بذكر وصف المؤمنين الذين إذا قيل لهم ماذا