تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
فإن قيل : إنه تعالى لما حكى عن القوم هذه الشبهة لم يجب عنها ، بل اقتصر على محض الوعيد ، فما السبب فيه ؟ قلنا : السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزا بطريقين : الأول : أنه صلّى اللّه عليه وسلم تحداهم بكل القرآن ، وتارة بعشر سور ، وتارة بسورة واحدة ، وتارة بحديث واحد ، وعجزوا عن المعارضة ، وذلك يدل على كونه معجزا . الثاني : أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهو قوله :
اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
[ الفرقان : 5 ] وأبطلها بقوله :
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الفرقان : 6 ] ومعناه أن القرآن مشتمل على الأخبار عن الغيوب ، وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالما بأسرار السماوات والأرض ، فلما ثبت كون القرآن معجزا بهذين الطريقين ، وتكرر شرح هذين الطريقين مرارا كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة ، واللّه أعلم .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 26 إلى 28 ]

قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 26 ) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ ( 27 ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) [ في قوله تعالى
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
] اعلم أن المقصود من الآية المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار ، وفي المراد بالذين من قبلهم قولان : القول الأول : وهو قول الأكثر من المفسرين أن المراد منه نمروذ بن كنعان بنى صرحا / عظيما ببابل طوله خمسة آلاف ذراع . وفيل فرسخان ، ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها ، فالمراد بالمكر هاهنا بناء الصرح لمقاتلة أهل السماء . والقول الثاني : وهو الأصح ، أن هذا عام في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالمحقين . أما قوله تعالى :
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
ففيه مسألتان : المسألة الأولى : أن الإتيان والحركة على اللّه محال ، فالمراد أنهم لما كفروا أتاهم اللّه بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد والأساس . المسألة الثانية : في قوله :
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
قولان : القول الأول : أن هذا محض التمثيل ، والمعنى أنهم رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء اللّه تعالى فجعل اللّه تعالى حالهم في تلك المنصوبات مثل حال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين فانهدم ذلك البناء ، وضعفت تلك الأساطين ، فسقط السقف عليهم . ونظيره قولهم : من حفر بئرا لأخيه أوقعه اللّه فيه .