تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
قلنا : المقصود أن مدعي النبوة إذا أظهر الآية فإذا سمع الخلق أنه أظهر آية فهم لا يعلمون أن تلك الآية معجزة أو مخوفة ، إلا أنهم يجوزون كونها معجزة ، وبتقدير أن تكون معجزة فلو لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها على الصدق لاستحقوا العقاب الشديد ، فهذا هو الخوف الذي يحملهم على التفكر والتأمل في تلك المعجزات ، فالمراد من قوله :
وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
هذا الذي ذكرناه ، واللّه أعلم . واعلم أن القوم لما طالبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالمعجزات القاهرة ، وأجاب اللّه تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سببا لجرأة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له : لو كنت رسولا حقا من عند اللّه تعالى لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها منك ، كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء ، فعند هذا قوى اللّه قلبه وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال :
وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ
وفيه قولان : القول الأول : المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته ، ومتى كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره ، والمقصود كأنه تعالى يقول له : ننصرك ونقويك حتى تبلغ رسالتنا وتظهر ديننا . قال الحسن : حال بينهم وبين أن يقتلوه كما قال تعالى :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
[ المائدة : 67 ] . والقول الثاني : أن المراد بالناس أهل مكة وإحاطة اللّه بهم هو أنه تعالى يفتحها للمؤمنين فكان المعنى : وإذ بشرناك بأن اللّه أحاط بأهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم ، ونظيره قوله تعالى :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
[ القمر : 45 ] وقال :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ
[ آل عمران : 12 ] إلى قوله :
أَحاطَ بِالنَّاسِ
لما كان كل ما يخبر اللّه عن وقوعه فهو واجب الوقوع ، فكان من هذا الاعتبار كالواقع فلا جرم قال :
أَحاطَ بِالنَّاسِ
وروي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول : « اللهم إني أسألك عهدك ووعدك لي » ثم خرج / وعليه الدرع يحرض الناس ويقول :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
. ثم قال تعالى :
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ
وفي هذه الرؤيا أقوال : القول الأول : أن اللّه أرى محمدا في المنام مصارع كفار قريش فحين ورد ماء بدر قال : « واللّه كأني أنظر إلى مصارع القوم » ثم أخذ يقول : « هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان » فلما سمعت قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية ، وكانوا يستعجلون بما وعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . والقول الثاني : أن المراد رؤياه التي رآها أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه ، فلما منع عن البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم ، وقال عمر لأبي بكر أليس قد أخبرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنا ندخل البيت ونطوف به ، فقال أبو بكر إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى ، فلما جاء العام المقبل دخلها ، وأنزل اللّه تعالى :
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ
[ الفتح : 27 ] اعترضوا على هذين القولين فقالوا : هذه السورة مكية ، وهاتان الواقعتان مدنيتان ، وهذا السؤال ضعيف لأن هاتين الواقعتين مدنيتان أما رؤيتهما في المنام فلا يبعد حصولها في مكة . والقول الثالث : قال سعيد بن المسيب رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه