تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
اعلم أنه تعالى لما ذكر الدليل على فساد قول المشركين وأتبعه بالوعيد أتبعه بذكر مسألة النبوة ، وذلك لأن كفار قريش اقترحوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إظهار معجزات عظيمة قاهرة كما حكى اللّه عنهم أنهم قالوا :
لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ
[ طه : 133 ]
كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
[ الأنبياء : 5 ] وقال آخرون : المراد ما طلبوه بقولهم :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
[ الإسراء : 90 ] وعن سعيد بن جبير أن القوم قالوا : إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم : من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى فأتنا بشيء من هذه المعجزات فأجاب اللّه تعالى عن هذه الشبهة بقوله :
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
وفي تفسير هذا الجواب وجوه : الوجه الأول : المعنى أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال ، لكن إنزال عذاب الاستئصال على هذه الأمة غير جائز ، لأن اللّه تعالى أعلم أن فيهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم ، فلهذا السبب ما أجابهم اللّه تعالى إلى مطلوبهم وما أظهر تلك المعجزات القاهرة . روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن يزيل لهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي ، فطلب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ذلك من اللّه تعالى فقال اللّه تعالى : إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط أنهم إن كفروا أهلكتهم ، فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : « لا أريد ذلك بل تتأنى بهم » فنزلت هذه الآية . الوجه الثاني : في تفسير هذا الجواب أنا لا نظهر هذه المعجزات لأن آباءكم الذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم ، فلو رأيتموها أنتم لم تؤمنوا بها أيضا . الوجه الثالث : أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوا بها ، فعلم اللّه منكم أيضا أنكم لو شاهدتموها لكذبتم فكان إظهارها عبثا ، والعبث لا يفعله الحكيم . ثم قال تعالى :
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها
وفيه أبحاث : البحث الأول : المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود ، وقد آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على اللّه تعالى . البحث الثاني : قوله تعالى :
مُبْصِرَةً
وفيه وجهان : الأول : قال الفراء :
مُبْصِرَةً
أي مضيئة قال تعالى :
وَالنَّهارَ مُبْصِراً *
[ يونس : 67 ] أي مضيئا . الثاني :
مُبْصِرَةً
أي ذات أبصار أي فيها أبصار لمن تأملها يبصر بها رشده ويستدل بها على صدق ذلك الرسول . البحث الثالث : قوله :
فَظَلَمُوا بِها
أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها ، وقال ابن قتيبة :
فَظَلَمُوا بِها
أي جحدوا بأنها من اللّه تعالى . ثم قال تعالى :
وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
قيل : لا آية إلا وتتضمن التخويف بها عند التكذيب إما من العذاب المعجل أو من عذاب الآخرة . فإن قيل : المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدعي فكيف حصر المقصود من إظهارها في التخويف .