التقدير فتكون الآية نصا صريحا في تحريم القتل إلا بهذا السبب الواحد ، فوجب أن يبقى على الحرمة فيما سوى هذه الصورة الواحدة .
والطريق الثاني : أن نقول : دلت السنة على أن ذلك الحق هو أحد أمور ثلاثة : وهو
قوله عليه السلام : « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير حق » .
واعلم أن هذا الخبر من باب الآحاد . فإن قلنا : إن قوله :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
تفسير لقوله :
إِلَّا بِالْحَقِّ
كانت الآية صريحة في أنه لا يحل القتل إلا بهذا السبب الواحد ، / فحينئذ يصير هذا الخبر مخصصا لهذه الآية ويصير ذلك فرعا لقولنا : إنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وأما إن قلنا : إن قوله :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
ليس تفسيرا لقوله :
إِلَّا بِالْحَقِّ
فحينئذ يصير هذا الخبر مفسرا للحق المذكور في الآية ، وعلى هذا التقدير لا يصير هذا فرعا على مسألة جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد فلتكن هذه الدقيقة معلومة واللّه أعلم .
المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية أنه لا سبب لحل القتل إلا قتل المظلوم ، وظاهر الخبر يقتضي ضم شيئين آخرين إليه : وهو الكفر بعد الإيمان ، والزنا بعد الإحصان ، ودلت آية أخرى على حصول سبب رابع وهو قوله تعالى :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا
[ المائدة : 33 ] ودلت آية أخرى على حصول سبب خامس وهو الكفر قال تعالى :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
[ التوبة : 29 ] وقال :
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[ النساء : 89 ] والفقهاء تكلموا واختلفوا في أشياء أخرى فمنها : أن تارك الصلاة هل يقتل أم لا ؟ فعند الشافعي رحمه اللّه يقتل ، وعن أبي حنيفة رحمه اللّه لا يقتل .
وثانيها : أن فعل اللواط هل يوجب القتل ؟ فعند الشافعي يوجب ، وعند أبي حنيفة لا يوجب . وثالثها : أن الساحر إذا قال : قتلت بسحري فلانا فعند الشافعي يوجب القتل ، وعند أبي حنيفة لا يوجب . ورابعها : أن القتل بالمثقل هل يوجب القصاص ؟ فعند الشافعي يوجب وعند أبي حنيفة لا يوجب . وخامسها : أن الامتناع من أداء الزكاة هل يوجب القتل أم لا ؟ اختلفوا فيه في زمان أبي بكر . وسادسها : أن إتيان البهيمة هل يوجب القتل ، فعند أكثر الفقهاء لا يوجب ، وعند قوم يوجب ، حجة القائلين بأنه لا يجوز القتل في هذه الصور هو أن الآية صريحة في منع القتل على الإطلاق ، إلا لسبب واحد وهو قتل المظلوم ، ففيما عدا هذا السبب الواحد ، وجب البقاء على أصل الحرمة ، ثم قالوا : وهذا النص قد تأكد بالدلائل الكثيرة الموجبة لحرمة الدم على الإطلاق ، فترك العمل بهذه الدلائل لا يكون إلا لمعارض ، وذلك المعارض إما أن يكون نصا متواترا أو نصا من باب الآحاد أو يكون قياسا ، أما النص المتواتر فمفقود ، وإلا لما بقي الخلاف ، وأما النص من باب الآحاد فهو مرجوح بالنسبة إلى هذه النصوص المتواترة الكثيرة ، وأما القياس فلا يعارض النص . فثبت بمقتضى هذا الأصل القوي القاهر أن الأصل في الدماء الحرمة إلا في الصور المعدودة واللّه أعلم .
المسألة الرابعة : قوله تعالى :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ
فيه بحثان :
البحث الأول : أن هذه الآية تدل على أنه أثبت لولي الدم سلطانا ، فأما بيان أن هذه السلطنة تحصل فيما ذا فليس في قوله :
فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
دلالة عليه ثم هاهنا طريقان : الأول : أنه تعالى لما قال بعده :
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
عرف أن تلك السلطنة إنما حصلت في استيفاء القتل ، وهذا / ضعيف لاحتمال أن يكون