الثلاثة على وجهين من تلك الوجوه الستة ، واللّه أعلم بمراده .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 33 ]
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ( 33 )
[ في قوله تعالى
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
] هذا هو النوع الثاني مما نهى اللّه عنه في هذه الآية ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : إن أكبر الكبائر بعد الكفر باللّه القتل ، فما السبب في أن اللّه تعالى بدأ أولا بذكر النهي عن الزنا وثانيا بذكر النهي عن القتل .
وجوابه : أنا بينا أن فتح باب الزنا يمنع من دخول الإنسان في الوجود ، والقتل عبارة عن إبطال الإنسان بعد دخوله في الوجود . ودخوله في الوجود مقدم على إبطاله وإعدامه بعد وجوده ، فلهذا السبب ذكر اللّه تعالى الزنا أولا ثم ذكر القتل ثانيا .
المسألة الثانية : اعلم أن الأصل في القتل هو الحرمة المغلظة ، والحل إنما يثبت بسبب عارضي ، فلما كان الأمر كذلك لا جرم نهى اللّه عن القتل مطلقا بناء على حكم الأصل ، ثم استثنى عنه الحالة التي يحصل فيها حل القتل وهو عند حصول الأسباب العرضية فقال :
إِلَّا بِالْحَقِّ
/ فنفتقر هاهنا إلى بيان أن الأصل في القتل التحريم ، والذي يدل عليه وجوه : الأول : أن القتل ضرر والأصل في المضار الحرمة لقوله :
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
[ الحج : 78 ]
وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
[ البقرة : 185 ] .
« ولا ضرر ولا ضرار » .
الثاني :
قوله عليه السلام : « الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب » .
الثالث : أن الآدمي خلق للاشتغال بالعبادة لقوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ]
ولقوله عليه السلام : « حق اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا »
والاشتغال بالعبادة لا يتم إلا عند عدم القتل . الرابع : أن القتل إفساد فوجب أن يحرم لقوله تعالى :
وَلا تُفْسِدُوا *
[ الأعراف : 85 ] . الخامس : أنه إذا تعارض دليل تحريم القتل ودليل إباحته فقد أجمعوا على أن جانب الحرمة راجح ، ولولا أن مقتضى الأصل هو التحريم وإلا لكان ذلك ترجيحا لا لمرجح وهو محال . السادس : أنا إذا لم نعرف في الإنسان صفة من الصفات إلا مجرد كونه إنسانا عاقلا حكمنا فيه بتحريم قتله ، وما لم نعرف شيئا زائدا على كونه إنسانا لم نحكم فيه بحل دمه ، ولولا أن أصل الإنسانية يقتضي حرمة القتل ، وإلا لما كان كذلك فثبت بهذه الوجوه أن الأصل في القتل هو التحريم . وأن حله لا يثبت إلا بأسباب عرضية .
وإذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكم بأن الأصل في القتل هو التحريم فقال :
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
فقوله :
وَلا تَقْتُلُوا
نهي وتحريم ، وقوله :
حَرَّمَ اللَّهُ
إعادة لذكر التحريم على سبيل التأكيد ، ثم استثنى عنه الأسباب العرضية الاتفاقية فقال :
إِلَّا بِالْحَقِّ
ثم هاهنا طريقان :
الطريق الأول : أن مجرد قوله :
إِلَّا بِالْحَقِّ
مجمل لأنه ليس فيه بيان أن ذلك الحق ما هو وكيف هو ؟ ثم إنه تعالى قال :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
أي في استيفاء القصاص من القاتل ، وهذا الكلام يصلح جعله بيانا لذلك المجمل ، وتقريره كأنه تعالى قال :
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
وذلك الحق هو أن من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا في استيفاء القصاص . وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الحق هذه الصورة فقط ، فصار تقدير الآية : ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا عند القصاص ، وعلى هذا