تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
أخا له ، فيقولون : فلان أخو الكرم والجود ، وأخو السفر إذا كان مواظبا على هذه الأعمال ، وقيل قوله :
إِخْوانَ / الشَّياطِينِ
أي قرناءهم في الدنيا والآخرة كما قال :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
[ الزخرف : 36 ] وقال تعالى :
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ
[ الصافات : 22 ] أي قرناءهم من الشياطين ، ثم إنه تعالى بين صفة الشيطان فقال :
وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
ومعنى كون الشيطان كفورا لربه ، هو أنه يستعمل بدنه في المعاصي والإفساد في الأرض ، والإضلال للناس وكذلك كل من رزقه اللّه تعالى مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضاة اللّه تعالى كان كفورا لنعمة اللّه تعالى ، والمقصود : أن المبذرين إخوان الشياطين ، بمعنى كونهم موافقين للشياطين في الصفة والفعل ، ثم الشيطان كفور لربه فيلزم كون المبذر أيضا كفورا لربه ، وقال بعض العلماء : خرجت هذه الآية على وفق عادة العرب وذلك لأنهم كانوا يجمعون الأموال بالنهب والغارة ثم كانوا ينفقونها في طلب الخيلاء والتفاخر ، وكان المشركون من قريش وغيرهم ينفقون أموالهم ليصدوا الناس عن الإسلام وتوهين أهله ، وإعانة أعدائه فنزلت هذه الآية تنبيها على قبح أعمالهم في هذا الباب . ثم قال تعالى :
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها
والمعنى : أنك إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من التصريح بالرد بسبب الفقر والقلة :
فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً
أي سهلا لينا وقوله :
ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها
كناية عن الفقر ، لأن فاقد المال يطلب رحمة اللّه وإحسانه . فلما كان فقد المال سببا لهذا الطلب ولهذا الابتغاء أطلق اسم السبب على المسبب فسمى الفقر بابتغاء رحمة اللّه تعالى ، والمعنى : أن عند حصول الفقر والقلة لا تترك تعهدهم بالقول الجميل والكلام الحسن ، بل تعدهم بالوعد الجميل وتذكر لهم العذر وهو حصول القلة وعدم المال ، أو تقول لهم : اللّه يسهل ، وفي تفسير القول الميسور وجوه : الأول : القول الميسور هو الرد بالطريق الأحسن . والثاني : القول الميسور اللين السهل قال الكسائي : يسرت أيسر له القول أي لينته له . الثالث : قال بعضهم : القول الميسور مثل قوله :
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً
[ البقرة : 263 ] قالوا : والميسور هو المعروف ، لأن القول المتعارف لا يحوج إلى تكلف ، واللّه أعلم .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 29 إلى 30 ]

وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ( 29 ) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 30 ) اعلم أنه تعالى لما أمره بالإنفاق في الآية المتقدمة علمه في هذه الآية أدب الإنفاق ، واعلم أنه تعالى شرح وصف عبادة المؤمنين في الإنفاق في سورة الفرقان فقال :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
[ الفرقان : 67 ] فههنا أمر رسوله بمثل ذلك الوصف فقال :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
أي لا تمسك عن الإنفاق بحيث تضيق على نفسك وأهلك في وجوه صلة الرحم وسبيل الخيرات ، والمعنى : لا تجعل يدك في انقباضها كالمغلولة الممنوعة من الانبساط :
وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
أي ولا تتوسع في الإنفاق توسعا مفرطا بحيث لا يبقى في يدك شيء . وحاصل الكلام : أن الحكماء ذكروا في كتب « الأخلاق » أن لكل خلق طرفي إفراط وتفريط وهما مذمومان ، فالبخل إفراط في الإمساك ، والتبذير إفراط في الإنفاق وهما مذمومان ، والخلق الفاضل هو العدل والوسط كما قال تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] . ثم قال تعالى :
فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
أما تفسير تقعد ، فقد سبق في الآية المتقدمة . وأما كونه
مَلُوماً
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 329 | فخر الدين الرازي