تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
إذا أصبحت بيد الشمال زمامها فأثبت للشمال يدا ووضع زمامها في يد الشمال فكذا هاهنا وقوله :
مِنَ الرَّحْمَةِ
معناه : ليكن خفض جناحك لهما بسبب فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما بسبب كبرهما وضعفهما . والنوع الخامس : قوله :
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
وفيه مباحث : البحث الأول : قال القفال رحمه اللّه تعالى : إنه لم يقتصر في تعليم البر بالوالدين على تعليم الأقوال بل أضاف إليه تعليم الأفعال وهو أن يدعو لهما بالرحمة فيقول :
رَبِّ ارْحَمْهُما
ولفظ الرحمة جامع لكل الخيرات في الدين والدنيا . ثم يقول :
كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
يعين رب افعل بهما هذا النوع من الإحسان كما أحسنا إلي في تربيتهما إياي ، والتربية هي التنمية ، وهي من قولهم ربا الشيء إذا انتفع ، ومنه قوله تعالى :
فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ *
[ فصلت : 39 ] . البحث الثاني : اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنها منسوخة بقوله تعالى :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
[ التوبة : 113 ] فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين ، ولا يقول : رب ارحمهما . والقول الثاني : أن هذه الآية غير منسوخة ، ولكنها مخصوصة في حق المشركين ، وهذا أولى من القول الأول لأن التخصيص أولى من النسخ . والقول الثالث : أنه لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد ، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان . البحث الثالث : ظاهر الأمر للوجوب فقوله :
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما
أمر وظاهر الأمر لا يفيد التكرار فيكفي في العمل بمقتضي هذه الآية ذكر هذا القول مرة واحدة ، سئل سفيان : كم يدعو الإنسان لوالديه ؟ أفي اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة ؟ فقال : نرجو أن يجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن اللّه تعالى قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
[ الأحزاب : 56 ] فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكما أن اللّه تعالى قال :
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ
[ البقرة : 203 ] فهم يكررون في أدبار الصلوات . ثم قال تعالى :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ
والمعنى أنا قد أمرناكم في هذه الآية بإخلاص العبادة للّه تعالى وبالإحسان بالوالدين ، ولا يخفى على اللّه ما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص في الطاعة وعدم الإخلاص فيها ، فاعلموا أن اللّه تعالى مطلع على ما في نفوسكم بل هو أعلم بتلك الأحوال منكم بها ، لأن علوم البشر قد يختلط بها السهو والنسيان وعدم الإحاطة بالكل ، فأما علم اللّه فمنزه عن كل هذه الأحوال ، وإذا كان الأمر كذلك كان عالما بكل ما في قلوبكم والمقصود منه التحذير عن ترك الإخلاص . ثم قال تعالى :
إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ
أي إن كنتم برآء عن جهات الفساد في أحوال قلوبكم كنتم أوابين ،
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 327 | فخر الدين الرازي