تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
ذهابهم إلى الجنة البتة فصرف الكلام على المذكور إلى غير المذكور بعيد . وأيضا فهب أنا نساعد على أن الأمر كما ذكروه ، إلا أنه تعالى لما أخبر أنهم لا يدخلون الجنة فقد حصل المقصود لأن خلاف معلوم اللّه ومخبره محال ممتنع الوقوع . واعلم أنه تعالى لما أخبر عنهم بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم بين عذاب الدنيا ، وبين عذاب الآخرة الذي هو أشق ، وأنه لا دافع لهم عنه لا في الدنيا ولا في الآخرة . أما عذاب الدنيا / فبالقتل ، والقتال ، واللعن ، والذم ، والإهانة ، وهل يدخل المصائب والأمراض في ذلك أم لا ؟ اختلفوا فيه ، قال بعضهم : إنها تدخل فيه ، وقال بعضهم : إنها لا تكون عقابا ، لأن كل أحد نزلت به مصيبة فإنه مأمور بالصبر عليها ، ولو كان عقابا لم يجب ذلك ، فالمراد على هذا القول من الآية القتل ، والسبي ، واغتنام الأموال ، واللعن ، وإنما قال :
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ
لأنه أزيد إن شئت بسبب القوة والشدة ، وإن شئت بسبب كثرة الأنواع ، وإن شئت بسبب أنه لا يختلط بها شيء من موجبات الراحة ، وإن شئت بسبب الدوام وعدم الانقطاع ، ثم بين بقوله :
وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ
أي أن أحدا لا يقيهم ما نزل بهم من عذاب اللّه . قال الواحدي : أكثر القراء وقفوا على القاف من غير إثبات ياء في قوله ( واق ) وكذلك في قوله :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
وكذلك في قوله :
والٍ
وهو الوجه لأنك تقول في الوصل : هذا هاد ووال وواق ، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين ، فإذا وقفت انحذف التنوين في الوقف في الرفع والجر ، والياء كانت انحذفت فيصادف الوقف الحركة التي هي كسرة في غير فاعل فتحذفها كما تحذف سائر الحركات التي تقف عليها فيصير هاد ، ووال ، وواق . وكان ابن كثير يقف بالياء في هادي ووالي وواقي ووجهه ما حكى سيبويه أن بعض من يوثق به من العرب يقول : هذا داعي فيقفون بالياء .

[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 35 ]

مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ ( 35 ) [ في قوله تعالى
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
] وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر عذاب الكفار في الدنيا والآخرة ، أتبعه بذكر ثواب المتقين وفي قوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ
أقوال : الأول : قال سيبويه :
مَثَلُ الْجَنَّةِ
مبتدأ وخبره محذوف والتقدير : فيما قصصنا عليكم مثل الجنة . والثاني : قال الزجاج : مثل الجنة جنة من صفتها كذا وكذا . والثالث : مثل الجنة مبتدأ وخبره تجري من تحتها الأنهار ، كما تقول صفة زيد اسم . والرابع : الخبر هو قوله :
أُكُلُها دائِمٌ
لأنه الخارج عن العادة كأنه قال :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه أكلها دائم . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف الجنة بصفات ثلاث : أولها : تجري من تحتها الأنهار . وثانيها : أن أكلها دائم . والمعنى : أن جنات الدنيا لا يدوم ورقها وثمرها ومنافعها . أما جنات الآخرة فثمارها دائمة غير منقطعة . وثالثها : أن ظلها دائم أيضا ، والمراد أنه ليس هناك حر ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة ونظيره قوله تعالى :
لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً
[ الإنسان : 13 ] ثم إنه تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 46 | فخر الدين الرازي